أولًا: إن هذا الفقه ليس وليد اليوم أو البارحة، بل إنه موجود منذ أربعة عشر قرنًا، عاشر الناس فيه وعايشهم، وبني على حياتهم، وحل لهم مشكلاتهم، عرفَه المؤمنون في عصور العزّة والنهضة، وطبقته الدول الإسلامية المتعاقبة على رعاياها، فكفى حاجتها، ورغم كلّ هذا الزمان المتطاول لم يشتك أحد من قصر هذه المذاهب عن الوفاء بحاجيات الدول والأفراد، ولم يدع شخص أن في تطبيق مذهب على الناس عسرة، بل نجد كل قوم فرحين بما أتوا من مذهب، منكبين على دراسته وتدريسه وتطبيق مسائله دون اهتمام بغيره.
إذا اتضح هذا علم أن هذه المقالة وهم وخيال، ليس لها في الواقع مجال، إلا إرباك الناس وإخراجهم عن تطبيق شرع ربهم بحجة العسرة وطلب التيسير.
قال الدكتور البوطي (1) : (( الاجتهاد الذي ينادي رجال بالدعوة إليه اليوم، إما أن يراد به الاجتهاد فيما قد جدّ من أمور المسلمين مع الزمن مما لم يبحث في شأنه الأئمة السابقون، وإما أن يكون المقصود به إعادة النظر في اجتهادات الأئمة وفقههم.
فأما الاجتهاد بمعناه الأول، فلا يشك باحث عاقل أن على علماء المسلمين اليوم أن يبحثوا في هذه الأمور الجديدة، ويبذلوا جهدهم في استنباط أحكامها بدليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع إذا تم لهم ذلك، والاجتهاد في هذا واجب لا مفرَّ منه.
وأما الدعوة إليه بمفهومه الثاني، فهي دعوة باطلة، وشهوة مجردة للتلاعب بالأحكام الشرعية الثابتة، واحتجاج من ورائه غرض سيئ ليس من العسير كشفه والإشارة إليه.
إن الاحتلال البريطاني لمصر، يوم اصطدم بجلمود الفكر الأزهري في كل ما كان يصدر عنه من فتاوى ونظرات وأحكام، لم يجد الوسيلة أمامه إلا أن يفتت هذا الجلمود بمطرقة لا يقوى غيرها على ذلك، هي مطرقة الاجتهاد…
(1) في محاضرات في الفقه المقارن ص7-8.