وكان السبيل لاستحضار هذه المطرقة، هو الاعتماد على من يدعون باسم الإسلام إلى الاجتهاد، ونبذ الجمود على الكتب والفتاوى القديمة، فلما توفرت لهم الأبواق الداعية والمروجة لذلك بشتى الأساليب والطرق، أتيح لهم أن يفتتوا تلك الصخرة الفكرية عن طريقهم ـ كما يقول اللورد كرومر في مذكراته ـ وجاء سيل الإنجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم المخربة المستوردة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته….
بهذا أدخل قاسم أمين أفكاره عن المرأة والحجاب، وبهذا تسلّل الإنجليز نفسه إلى الأزهر في أشخاص كثيرين من ممثليه وأتباعه وبطانته، وبهذا نسخت أحكام ومناهج إسلامية عظيمة بأحكام ومناهج أوروبية سخيفة.
إن شيئًا من ذلك لم يتم باسم الدعوة إلى نبذ الدين، وإنما تمّ كل ذلك باسم الدعوة إلى الاجتهاد…
إن الاجتهاد الذي إذا فتح بابه دخل فيه مع الرجل الواحد الصالح عشرون من الرجال المفسدين، جدير ببابه أن يظل مقفلًا لا يفتح.
وإذا صح أن يوجد مثال متفق عليه عند المسلمين كلهم لقاعدة سدّ الذرائع، فأجدر به أن يكون هو هذا المثال… )) .
ثانيًا: إن التزام مذهب فقهي واحد هو عين التيسر عن الناس ورفع الحرج؛ لإمكان ضبطه للعلماء وطلبة العلم، وسهولة تدريسيه ودراسته، والعمل به؛ وذلك لتناسق مسائله وتجانسها وبنائها على بعضها البعض، ودراسة المتفقه لشروط وضوابط فروعه، مما ييسر عليه تطبيقها في الواقع كما هي.
وهذا غير حاصل في الفقه المقارن؛ لأن دمج المذاهب مع بعضها البعض، يوصلها إلى صورة لا يمكن ضبطها لا عند فقيه ولا متفقه؛ للتناقض العجيب بين المسائل من صفحة إلى أخرى، وهذا الأمر يجعل الشريعة مادة ثقافية للعقل؛ لعدم إمكانية العمل بها هكذا.
إلا إذا فتح باب الانتقاء والاختيار على حسب الهوى دون التزام لشروط وضوابط كل مسألة في مذهبها، ومعلوم أن في هذا ضياع للدين، وفتح للإباحية المطلقة كما سبق تفصيله.