فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 203

وما ذكره من مذهب الغلاة هو حقيقة ما حصل في عصرنا بين جلّ القائمين على الفقه المقارن، وبين غالبية إن لم يكن كلّ الطلاب الدارسين له، حتى صارت نظرتهم إلى أقوال الفقهاء المختلفة المتناقضة أنها محلّ اختيار كلّ واحد منهم، فيحق له أخذ ما شاء منها، وترك ما شاء؛ لأنها كلها حقّ، ففي كلّ مسألة يدرسونها يأخذون فيها عدّة آراء فقهية: منها من يقول بالحل، ومنها ما يقول بالحرمة، ومنها ما يقول بالكراهة، وهكذا، دون بيان للراجح منها في الغالب، فيكون هذا الطالب المبتدئ هو المختار لما يريد بما تمليه عليه نفسه على حسب حاجته، فيومًا يقول: بالحرمة، ويومًا يقول: بالإباحة، وغيرها على حسب المصلحة العقلية.

ثالثًا: الانتقاء من أقوال الفقهاء بدون أهلية يتفق مع بعض المصوبة:

إن هذا الاختيار بلا مرجح يوافق قول بعض هؤلاء المصوبة ـ أي المعتزلة ومَن وافقهم ـ؛ إذ ذكروا أنهم (( اختلفوا فقال بعضهم بتساوي الحقوق; لأن دليل التعدد لا يوجب التفاوت, وعند بعضهم واحد منها أحق; لأنها لو استوت لأصيبت بمجرد الاختيار، ولسقط الاجتهاد ) ) (1) ، فاستواء الحقوق المتعددة يجعلها تصاب بهذا الانتقاء من غير امتحان ويسقط درجة العلماء (2) .

وهذا الحال يضيع الدين؛ لذلك قال علماؤنا: (( إن هذا المذهب في نفسه محال؛ لأنه يؤدّي إلى الجمع بين النقيضين, وهو أن يكون قليل النبيذ مثلًا حلالًا حرامًا، والنكاح بلا ولي صحيحًا باطلًا، والمسلم إذا قتل كافرًا مهدرًا ومقادًا؛ إذ ليس في المسألة حكم معيّن، وكل واحد من المجتهدين مصيب, فإذا الشيء ونقيضه حق وصواب.... فهو في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقًا، وبالآخر يرفع الحجر ويخير بين الشيء ونقيضه عند تعارض الدليلين، ويخيّر المستفتي لتقليد مَن شاء وينتقي من المذاهب أطيبها عنده ) ) (3) .

(1) ينظر: التوضيح 2: 239، وغيره.

(2) ينظر: أصول البزدوي 4: 1840، وغيره.

(3) ينظر: المستصفى 355، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت