وهذا الأصل من أصول المعتزلة وبعض المتكلمين (1) ، إلا أن أصحابه ليس على درجة واحدة منهم كما هو الحال بالمشتغلين بالفقه المقارن، قال الإمام إلكيا الهِرَّاسي الشافعي: (( انقسموا على قسمين: غلاة، ومقتصدة.
فالغلاة افترقوا من وجهين:
أحدهما: ذهب بعضُهم إلى أنه يجوز لكلٍّ منها أن يأخذ بالتحريم والتحليل من غير اجتهاد, إذا علم أنه يستدرك كل واحد منهم بالاجتهاد, ويأخذ بما يشاء. وقال الأستاذ أبو إسحاق: (( هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة ) ), أما السفسطة فلكونه حلالًا حرامًا في حق كل واحد, وأما الزندقة فهو مذهب أصحاب الإباحة.
الثاني: ذهب بعضهم إلى أن المطالب متعددة، فلا بُدَّ من أصل الاجتهاد, ولكن المطلوب من كلِّ مجتهد ما يؤدِّي إليه الاجتهاد.
وأما المقتصدة، فقالوا: كل مجتهد مصيب في عمله قطعًا, ولا يقطع بإصابة ما عند الله, وادّعوا أن في الآراء المختلفة حكما عند الله هو أشبه بالصواب, وهو شوق المجتهدين ومطلوب الباحثين, وربما عبر عنه بأنه الحق والصواب, غير أن المجتهد لم يكلف غير إصابته. وهذا القول عن أبي حنيفة ( نصًا ) ) (2) .
ثانيًا: علاقة الفقه المقارن بهذا الأصل:
(1) وما نسب من ذلك إلى الأشعري بمعنى أنه لم يتعلق الحكم بالمسألة قبل الاجتهاد وإلا فالحكم قديم عنده. ينظر: التلويح 2: 238، وغيره. وقالت الأشعرية بخراسان: لا يصح هذا المذهب عن أبي الحسن. ينظر: البحر المحيط 8: 284، وغيره.
(2) ينظر: البحر المحيط 8: 190، وغيره.