ثالثًا: إن ما صدر من كتب الردود من بعض أتباع هذه المذاهب على بعض كأبي عبد الله الجرجاني وأبي منصور البغدادي والقفال الشاشي وابن الجويني والكردري والقاري وغيرهم (1) إن أهمل ما كان فيها خارجًا عن دائرة الإنصاف وداخلًا في باب الاعتساف، فإنه يكون لهذه الكتب الدرجة العالية في تفتيح مدارك المتعلم، وتوسيع فهم المتفقه، وصقل عقليته العلمية، بالإضافة إلى إحكام بنيان هذه المذاهب، وكثرة الاستدلال لمسائلها والتأييد لها، ورفع همم أصحابها في الدفاع عنها والكفاح دونها مما يؤدي إلى استمرارها ونموها؛ ولولا هذه المماحكات والمشادات بين أرباب هذه المذاهب لكانت أثرًا بعد عين.
قال الدكتور مصطفى الخن (2) : (( الخلاف في الفروع بعد الاتفاق على الأصل، فما هو إلا اختلاف في الطريق الموصل إلى الحقيقة، لا في الحقيقة نفسها، وقد يكون في هذا الخلاف توسعة على السائرين ورفق بهم ورحمة، وجدير به أن لا يمت إلى الانشقاق لا من قريب ولا من بعيد. وهذا هو شأن المذاهب الفقهية.
ولئن رأينا في بعض البلدان وفي بعض العصور أن المذهبية كانت عاملًا من عوامل التفرق بين المسلمين، فلنعتقد أن هذا راجع إلى سوء فهم هؤلاء وجهلهم بالحقيقة، لا إلى وجود المذاهب نفسها، وما شأن هؤلاء إلا كشأن إنسان وجد في السوق سكينًا تباع ؛ لتكون مرتفقًا للناس، فاشتراها، فقتل بها نفسه، وكثيرًا ما يستعمل الإنسان في الشر ما كان موضوعًا في أصله لاستعماله في الخير
كلمّا أنبت الزمان قناة
ركّب المرء في القناة سنانًا ))
رابعًا: إن إرجاع سبب عدم أخذ أئمة المذاهب ببعض الأحاديث؛ لأنها لم تصلهم غير صحيح على التحقيق لأمور:
(1) ينظر: مقدمة الغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة ص6-7، وغيره.
(2) في أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ص8.