أولًا: إن هذه فرية بلا مرية، ظاهرها التعصب على المذاهب وأصحابها مطلقًا على عكس ما يقولون؛ لأن ما أشيع في هذا العصر من التعصب المذهبي في العصور السابقة فيه مجازفة ومبالغة عظيمة، كان وراءها أصابع خفية تسعى إلى تحقيق مآرب وأهداف خاصة من نشر فكر تتبناه، وهدم لأركان بنيان هذه الأمة وهي المذاهب الفقهية؛ إذ أن بوجودها لا يمكن لأصحاب الأهواء والمصالح تحقيق غاياتهم، فهي سدٌّ منيع في وجه كل متلاعب أفاك؛ ولذا كان لا بد قبل تمرير مخططاتهم من ضرب هذه المذاهب بالتهم المتنوعة ومن بينها تهمة التعصب؛ لاستباحة مخالفتها وانتهاك حرمتها.
ثانيًا: إن جماهير علماء وعامة هذه المذاهب يكنون لبعضهم البعض كل احترام وتقدير وتوقير كما تشهد به كتبهم وحياتهم وتراجمهم، ولم يقف الأمر عند هذا فحسب بل إننا نجد أن كبار علماء المذاهب كانوا يؤلِّفون كتبًا في إنصاف أئمة المذاهب الأخرى، وإنزالهم المنْزلة الرفيعة التي يستحقونها وردّ كلام بعض أتباع هذه المذاهب ممن لا يميّزون الشمال من اليمين والغث من السمين، فها هو ابن حجر الهيتمي الشافعي يؤلف (( الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان ) )، والسيوطي الشافعي يؤلف (( تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة ) )، وابن عبد الهادي الحنبلي يؤلف (( تنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة ) )، وابن عبد البر المالكي يؤلف (( الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء ) )، والشعراني الشافعي يؤلِّف (( الميزان ) )في إنصاف كل من الأئمة الأربعة وأصحابهم وهكذا.