الثاني: إن بعض الجماعات الإسلامية المعاصرة قامت بفكرها على الرجوع إلى الكتاب والسنة لكل مسلم، وأعلنت حربًا شعواء على المذاهب الفقهية وأصحابها، فبذلت أقصى جهدها إلى نشر آرائها بين المسلمين، ولم يكن سبيل إلى ذلك إلا بنشر كتب تغمز وتلمز بفقهائنا ومذاهبهم، حتى ينفروا الناس منهم، ويقبلوا على دعوتهم، مما كان له تأثيره الكبير على العوام وطلبة العلم.
وكانت هذه الجماعة تنشر قصصًا تبيّن مدى تعصب أصحاب هذه المذاهب، وتبذل أقصى جهدها في بيان أنها تخالف الكتاب والسنة، وأنها على تمشي على هدي النبي (، وكتب هذه الجماعة طفحت بها المساجد والمكتبات؛ لأنها كثيرًا ما يقدمونها مجانًا في سبيل نشر دعوتهم.
الثالث: إن كليات الشريعة في الدول العربية، أسست على غرار الأزهر، بعد أن تلاعبت به الأيدي وغيَّرت مناهجه، وكبار الأساتذة في هذه الكليات هم خريجي الأزهر بعد أن سيطر عليه تلامذة محمد عبده الدعاة إلى نبذ المذاهب الفقهية واتهام أصحابها بالمتعصبة، باسم الإصلاح الديني، فحمل هؤلاء الأساتذة تلك الأفكار ونشروها في دولهم وكلياتهم.
قال الإمام الكوثري (1) : (( ومن تخيل حاجة الإسلام إلى مثل ذلك المصلح الألماني في النصرانية فقد أساء المقارنة بين الإسلام الذي نصوصه محفوظة كما بلغه الرسول ( وبين النصرانية التي تاريح كتبها المحرفة لا يدع مجالًا للترقيع، فمن يلهج بالإصلاح في الإسلام من أغمار هذا العصر فقد جمع إلى تلك الإساءة الجهل بتاريخ الدين الإسلامي وتاريخ الكنيسة لكن صدق من نطق:(لتتبعن سنن من قبلكم) (2) ... )).
وفساد هذا الأصل من وجوه ذكرتها في (( المدخل ) )، وهي:
(1) في مقالاته ص184.
(2) في صحيح البخاري 3: 1274، وصحيح ابن حبان 15: 94، وغيرها.