الأول: إن أعداءنا عند احتلوا بلادنا في بداية القرن العشرين وأرادوا أن يمرروا أفكارهم وآراءهم المتعلقة بالفجور والسفور والتبعية إلى مجتمعاتنا، لم ينجحوا؛ لوجود العلماء العاملين المحافظين على دينهم من أتباع المذاهب الفقهية، فقام المستعمرون بتغيير المناهج الدينية وصنع شريحة من العلماء يحملون أفكارهم ويقولون بجوازها؛ لأن هؤلاء العلماء لا يوجد لهم أصول ولا ضوابط يسيرون عليها، وليس عندهم مانع من تجويز أي شيء؛ لموافقتهم هواهم، أو كونه سببًا لرزقتهم، فهم أشبه ما يكون بمرتزقة العلم.
ويشهد لذلك ما حصل في مصر، وهي حاضرة المسلمين في المشرق الإسلامي، فنهوضها نهوضهم، وانكسارها انكسارهم، فيقول اللورد كرومر في مذكراته: وجاء سيل الإنجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم المخربة المستورة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته.... (1)
فإن بريطانيا لم تستطع أن تنفذ شيئًا من مخططاتها التخريبية في مصر بسبب الأزهر وتمسك علمائه بدينهم القويم، واعتزازهم بمذاهبهم الشامخة، ولكنها بعد تلاعبت في الأزهر وغيَّرت مناهجه واستأجرت شيخه باحتقار الكتب القديمة واتهام أصحابها بالمتعصبة فإن هؤلاء العلماء اللامذهبيين أصبحوا دعاة لأفكارها، فها هو شيخ الأزهر محمد عبده يؤيد تلميذه قاسم أمين بكتابة كتاب تحرير المرأة الذي دعا فيه إلى سفورها ونزحها الحجاب، ويحرر جامع الأعمال الكاملة لمحمد عبده، وهو الأستاذ محمد عمارة أن كاتب الجانب الفقهي في كتاب قاسم أمين المتعلق بخروج المرأة سافرة هو محمد عبده، وينقل هذا الفصل بكامله في الأعمال الكاملة، كما سيأتي، فتأمل واعتبر.
(1) ينظر: محاضرات في الفقه المقارن للدكتور البوطي ص7-8.