إن متون أحاديث الحلال والحرام ليست بهذا العدد الضخم الذي لا يتناهى بحيث لا يمكن للإنسان الوقوف عليها فضلًا عن الأئمة، فها هو ابن حجر ( يجمعها في كتيب صغير سمّاه(( بلوغ المرام في أحاديث الأحكام ) ). وذكر الماوردي والبندنيجي وغيرهما أن آيات الأحكام خمسمئة آية، وعن الماوردي أن عدد أحاديث الأحكام خمسمئة كعدد الآي، وتابعه الحافظ عبد الغني جعل عدته خمسمئة حديث (1) ، وكنت سمعت من شيخنا العلامة شعيب الأرناؤوط غير مرّة أن عدّة الأحاديث التي صحّت عن رسول الله ( في الأحكام وغيرها ما يقارب عشرة آلاف حديث فحسب. ومن ذلك يتبين أن الأحاديث إجمالًا محدودة، وأحاديث الأحكام محصورة يمكن إدراكها لمن أراد ذلك، فما بالك بأئمة هذا الدين.
إن الأئمة الأربعة كانوا على إحاطة بأحاديث الأحكام ومعرفة بها؛ لأن هذه مرحلة أولية لمن أراد أن يؤصل الأصول ويقعد القواعد؛ لاستخراج الأحكام الفقهية، قال العلامة التقي السبكي (2) : (( وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه أنه قيل له: هل تعرف سنّة لرسول الله( في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه. قال: لا ) ).
(1) واعترض الأول بأن الأحكام كما تستنبط من الأوامر والنواهي , تستنبط من القصص والمواعظ ونحوهما , والثاني بأن غالب الأحاديث , لا تكاد تخلو عن حكم شرعي وأدب شرعي وسياسة دينية , وكل ذلك أحكام شرعية . وأجيب عن ذلك بأن المراد التي هي محال النظر والاجتهاد والخفاء ونحو ذلك , ينظر: مغني المحتاج 6: 263، وأسنى المطالب 4: 279، والخطيب 4: 380، وغيرها.
(2) في معنى قول المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ص106.