فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 203

وهذا مثل حرمة شرب الخمر، فإن حرمة الشرب حكم وكون المشروب خمرًا علّة، وصيانة الإنسان عما يذهب عقله حكمة، فيدور حكم الحرمة على علّته: يعني كون المشروب خمرًا فمهما وجدت الخمر ثبت حكم الحرمة، ولا يدور مع الحكمة، فلو وجد رجل لا يذهب عقله بشرب الخمر لا ينتفي حكم الحرمة في حقه؛ لأن العلّة وهي كون المشروب خمرًا باقية.

وكذلك حكم قصر الصلاة علّته السفر وحكمته الاحتراز عن المشقّة، فيدور الحكم على علّته، وهو السفر دون حكمته، وهي المشقة فلو وجد مسافر لم تحصل له أية مشقة كما في عصرنا في سفر الطائرات والسيارات السريعة لا ينتفي حكم القصر؛ لأن العلّة باقية، وهي السفر، وبالعكس لو حصلت لرجل مشقّة شديدة في بلده أو وطنه الأصلي لا يجوز له أن يقصر الصلاة؛ لأن العلّة منتفية وهي السفر.

فتبيّن بما ذكرنا أن الحكم لا يتغير بتغير الحكمة، وإنما يتغيَّر بتغير العلّة، ومثال ذلك: ما ذكره الفقهاء من أن بيع الماء لسقي المزارع ممنوع، ولكن علّة هذا المنع عدم ضبط مقدار الماء، واليوم قد وجدت عدادات يمكن ضبط مقدار الماء بها فحيث وجدت هذه العدادات انتفت علة المنع، فجاز بيع الماء.

الثاني: أن يكون الحكم مبنيًا على العرف والعادة فيتغيّر العرف فيتغير به الحكم. وبيان ذلك: إن العرف والعادة قد رجع إليهما الفقهاء في بعض المسائل حتى جعلوا ذلك أصلًا، وهو معنى القاعدة المعروفة: العادة محكمة؛ وأصل هذه القاعدة الحديث المعروف: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن) (1) ، وقد جعل الفقهاء العرف أساسًا لتغير بعض الأحكام منها:

(1) في مسند أحمد 1: 379، ومستدرك الحاكم 3: 83، والمعجم الكبير 9: 112، ومسند أبي داود الطَّيَالِسي ص33، وفضائل الصحابة 1: 367 موقوفًا على ابن مسعود (.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت