إذ انعدام الحكم لعدم المعنى الداعي إليه لا بالناسخ؛ فانتهاء شرعية إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة بانتهاء سببه، وهو ضعف المسلمين وحصول إعزاز الدين به، فإن تأليفهم على الإسلام بإعطاء المال ودفع أذاهم عن المسلمين به كان إعزازًا للدين في ذلك الزمان فلمّا قوي أمر الإسلام كان إعطاؤهم دنية في الدين لا إعزازًا له فانتهى بانتهاء سببه (1) .
عدم قطع عمر ( يد السارق عام المجاعة، قال (: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا((2) ؛ لأن هذه الآية من قبيل العام الذي له مخصصاته كأن يبلغ النصاب المقدر للقطع عليه، وأن يكون المكان المأخوذ منه خفية، وأن لا يكون في المال شبهة حقّ للسارق، فالتمسك بظاهر الآية وحدها دون النظر إلى ما يتعلق بها من مخصصات ومبينات في السنة الصحيحة إنما هو تنكب عن جملة الدليل كقوله (:(ادرأوا الحدود بالشبهات) (3) ، وبلفظ: (ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة) (4) ، وبلفظ: (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (5) .
فما فعله عمر ( هو إيقاف الحد لوجود الشبهة وهي المجاعة؛ لأن للمضطر أن يأخذ من مال غيره ما يسد ضرورته ولو من دون إذنه(6) ، وفي القاعدة المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات (7) .
(1) ينظر: كشف الأسرار 3: 167، وغيره.
(2) المائدة: من الآية38.
(3) في جامع مسانيد أبي حنيفة2: 182.
(4) في سنن البيهقي الكبير 8: 238.
(5) في سنن ابن ماجة 2: 850، وتمام الكلام في ألفاظه وطرقه وحكمها في كشف الخفاء 1: 73-74، والدراية 1: 94، وغيرهما.
(6) ينظر: ضوابط المصلحة ص145-147، وغيره.
(7) ينظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص103-104، وغيره.