ولأننا نعيش في هذا الزمان في هزيمة نفسية قبل أن تكون هزيمة مادية بالتكنولوجيا والسلاح، فإننا نرى كلّ ما عند أعدائنا هو الحق والصواب، وكل يقولوه هو الخير والرشاد، وأن كلّ ما عندنا بال لا يصلح للحياة والعمل، ويتنافى مع الرقي والتقدم والعصر.
والكلام في هذا طويل الذيل، وليس هنا محله، وإنما مقصودنا أنه بسبب هذه الحال أصبحنا نميل إلى تحقيق المصالح العقلية في حياتنا على المصالح الشرعيّة، وكأن ثقتنا في تفكيرنا أكبر من هذا الدين، فما يقدره العقل مصلحة نسعى وراءه ونجيِّر النصوصَ الشرعية له، ونبحث عن قول لأي كان ونحتج به على ذلك، وندعي أن في المسألة خلاف ونحن رجّحنا قول هذا، وإن لم يكن معه دليل ولا رائحته، ولا معروفًا بعلم ولا فضل، وكان ذكر قوله في الكتب للتنبيه، وإنما يكفي في تصورنا أن يكون معه المصلحة العقلية التي ارتضيناها.
وكلُّ هذا إما بإملاء ممن يملي على الناس ليفسد على الناس دينهم أو من نفوسنا المهزومة والمتشبعة بفكر أعدائنا وأحقيته أكثر من معرفتها بأصول شريعتنا الغراء.
ومن بين ما وقعنا فيه في ترك أحكام الشريعة مسألتنا هذه وهي وقوع الطلاق الثلاث واحدًا، فإن كثيرًا من الحكومات العربية والإسلامية جعلت إحدى مواد قانون الأحوال الشخصية فيها ذلك؛ محتجين بالمصلحة في المحافظة على الأسرة، وبأن بعض الفقهاء قالوا به، وهذا أمر ليس بغريب؛ لأن أكثر هذه الحكومات جعلت كل قوانينها غير مستلة من الشريعة الإسلامية بل من الدول الغربية، فليس غريبًا أن تخالف أيضًا في مثل هذه المادة من قوانيها مثلًا هذه الشريعة المطهرة.