الرابع: إن مذهب الإمام الشافعيِّ ( الذي استند في أصوله صحّة الحديث في بناء الأحكام بخلاف مذهب الإمامين أبي حنيفة ومالك المستندين إلى الفقه المتوارث عن رسول الله ( وصحابته ( الذي يظهر في عمل أهل المدنية، وعمل أهل الكوفة، فإنه ( لم يستند إلى ظاهر الحديث في استخراج الأحكام كما هو مبرهنٌ في أصول فقه مذهبه، ويدلّ على ذلك أيضًا أنه ( قدم بغداد سنة(195هـ) فأقام سنتين، وألف (( الرسالة ) )بطلب ابن مهدي، وصنف (( الحجّة ) )، وهو يمثل مذهبه القديم، واتصل به أبو ثور وأحمد والزعفراني وأبو عبد الرحمن وأخذوا عنه، وكانت قدمته الثالثة سنة (198هـ) فأقام أشهرًا ولزمه الكرابيسي فيها، وهؤلاء هم حملة مذهبه القديم، ثم خرج إلى مصر سنة (199هـ) وألف فيها كتاب (( الأم ) )وفيه مذهبه الجديد (1) .
فما الذي جعله بين عشية وضحاها يغيِّر مذهبه القديم في بغداد إلى مذهبه الجديد في مصر؟
فلو كان معتمدًا في استخراج الأحكام على ظاهر الأحاديث فحسب؟ فإن الأحاديث هي هي وظاهرها هو هو، فكيف يخالف مذهبه الجديد ثلثي مذهب القديم .
ولو كان الأمر عائدًا إلى وصول أحاديث له لم يكن قد اطلع عليها كما يقول كثيرٌ من الباحثين عند ذكر أسباب اختلاف الفقهاء، وهو أمر غير مسلم؛ لأنه في صورة الإمام الشافعي ( هذه لا يعقل أن يكون قد اطلع في ذهابه إلى مصر على أضعاف ما يعرف من أحاديث الأحكام حتى يغير ثلثي مذهبه، ولو سلمنا اطلعاه على بعض أحاديث الأحكام فإنه سيغير مسائل معدودة فحسب.
ولو كان الأمر راجعًا إلى العرف، فإن العرف لا دخل له إلا بعض أبواب الفقه كالأيمان والمعاملات، فما دخل العبادات بالعرف وتغير الزمان والمكان، فالعبادة هي هي.
(1) ينظر: بلوغ الأماني ص23، والانتقاء ص117، وغيرها.