الثالث: إن اعتماد ظاهر الحديث أصلًا لاستنباط الأحكام فحسب يوقع الشريعة السماوية في التناقض بين أحكام فإن المتبع لهذا الأصل تجد بين مسائله مخالفة؛ لأن استخراجه أو استنباطه من ظاهر حديث سيعارض فعله ذلك من حديث آخر، وإنما كان عليه أنو يوفق بين النصوص الشرعية، ثم يستخرج منها قاعدة محكمة تكون مرد استخراجه وترجيحه.
وهذا المنهج هو الذي سلكه فقهاؤها الكرام فكلما كان هذه القواعد المستخرجة لهذا الأمام أكثر إحكامًا كان قبوله وتقليده أكثر، وهذا ملاحظ لكل متبصر بمسائل الأئمة؛ لأنه يجد مردها إلى أصول فقهية اعتمدها الفقيه في استخراج الأحكام الشرعية، وهذا القواعد الكلية استنبطها من مجموع آيات الأحكام وأحاديثه وآثار الصحابة وغيرها بحيث أن المسائل المتفرعة عنها غير متعارضة؛ لأنها مستخرجة من أصول شريعة سماوية تتنزه عن التعارض.
وأكتفي بالتمثيل على ذلك بما نقل عن الإمام زفر ( تلميذ الإمام أبي حنيفة ( أنه عندما قدم البصرة، وكان شيخها وقتئذٍ عثمان البتي (، فإن زفر ( كان يأتي حلقته ويسمع مسائله، فإذا وقف على الأصل الذي بنى عليه مسائله تتبع فروعه التي فرعها على ذلك الأصل، فإذا وقف على تركهم الأصل طالب البتي ( حتى يلزمه قوله ويبيّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهودًا عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البتي ( على ذلك واستحسنوا ما كان منه قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره لهم ويقيم الحجة عليهم فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه ويطالب البتي ( بالرجوع إليه ويشهد أصحابه عليه بذلك، ثم قال لهم: هذا قول أبي حنيفة ( ، فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة إلى زفر ( وبقي البتي ( وحده(1) .
(1) ينظر: لمحات النظر في سير الإمام زفر ( ص18، وغيره.