إن الشيء الواحد جاز أن يكون حرامًا لشخص حلالًا لشخص آخر كأم المرأة حرام على زوج ابنتها حلال لغيره، وكذلك سائر المحرمات من الأم والبنت وغيرها، وكذلك المال لمالكه حلال، ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة في حقّ أمة، والحلّ في حق أمة أخرى.
وأما فيما نحن فيه فالأمة كلهم كشخص واحد فيستحيل أن يكون الفعل الواحد حرامًا عليهم، حلالًا لهم أيضًا في ذلك الزمان؛ لأن الاستحالة إنما تثبت عند اتحاد الجهة والزمان والمحل فتعذّر القول بتعدر الحقّ عند الله تعالى فيما نحن فيه (1) .
كلمة الإمام الكوثري في استناد العصريين في علمهم إلى هذا الأصل:
إن تمهد لك ما سبق من حيثيات هذا الأصل علمت القيمة العلمية لكلام العلامة الكوثري ( في الدفاع عن حمى الإسلام ومذاهبه في وجه المتلاعبين والعابثين، وها أنا أنقل كلامه بكلامته وحروف؛ لتأخذ العبرة منه؛ إذ قال رحمه الله(2) : (( فمَن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الأئمة المتبوعين الذين أشرنا فيما سبق إلى بعض سيرهم، لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلها بحيث يباح لكل شخص غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء أي مجتهد من المجتهدين بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهد واحد يتخيره في الاتباع، وهذا ينسب إلى المعتزلة، وأما الصوفية فإنهم يصوبون المجتهدين بمعنى الأخذ بالعزائم خاصة من بين أقوالهم من غير اقتصار على مجتهد واحد.
وإليه يشير أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي ـ ن رجال نور الدين الشهيد ـ في كتابه (( الجمع بين التقوى والفتوى من مهمات الدين والدنيا ) )حيث ذكر في أبواب الفقه منه ما هو مقتضى الفتوى، وما هو موجب التقوى من بين أقوال الأئمة الأربعة خاصة، وليس في هذا معنى التشهي أصلا، بل هو محض التقوى والورع.
(1) ينظر:الكافي شرح البزدوي 4: 1844، وغيره.
(2) في مقالاته ـ مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية ـ ص223-225.