فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 203

إن المتحري يخطئ ويصيب أيضًا كغيره من المجتهدين؛ إذ لو صلى جماعة وتحرّوا القبلة، واختلفوا فمَن علم منهم حال إمامه, وهو مخالفه فسدت صلاته; لأنه مخطئ للقبلة عنده، ولو كان الكل صوابًا والجهات قبلة لما فسدت.

فإنهم لما كلفوا التحرّي والطلب صاروا كالجماعة إذا صلوا في جوف الكعبة فإن صلاتهم صحيحة وإن خالفوا جهة الإمام؛ لأن كلًا منهم أصاب عين الكعبة (1) .

وعدم إعادة المخطئ للقبلة صلاته؛ لأنه المتحرّي للقبلة لا يكلف إصابة حقيقة الكعبة؛ لأن إصابة حقيقة الكعبة لا يمكن إلا بالمشاهدة عيانًا أو بالإخبار بجهتها، أو يعلم ذلك بالنجوم، وقد انعدمت هذه المعاني في حقّ من اشتبهت عليه القبلة، ثم لم يبق دليل سوى التحري، فكان المتحرَّى قبلة له.

ومن صلى متوجّهًا إلى قبلته التي أمر بأن يوجّه وجهه إليها لا يعيد صلاته بعدما صلى كمن صلى متوجهًا إلى الكعبة عيانًا، وهذا لأن الأمر باستقبال الكعبة ابتلاءٌ من الله تعالى في حق العباد؛ لأن الله تعالى يتعالى عن أن يكون ذا جهة، وفعل المكلف يقع إلى جهة لا محالة، والكعبة غير مقصودة بعينها.

ألا ترى أن عينها كانت ولم تكن قبلة: أعني حين كان التوجه إلى بيت المقدس، وعند اشتباه القبلة يصير غيرها قبلة على رجاء إصابتها عند الضرورة.

ألا ترى أن غير جهتها يقينًا يصير قبلة؛ كما في حق الخائف عن العدوّ، وفي حق المتنفل على الدابة، وإذا كان كذلك كان من يرجو إصابتها وقت التحري أن يكون جهة تحرّيه قبلة له أولى؛ لأن المقصود رضا الله تعالى، وهو حاصل أيمنا توجّه عند التحري، وإلى هذا أشار قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه} (2) . (3)

الثاني: إن الأحكام تختلف عند اختلاف الرسل بين قومين في زمان واحد كإبراهيم ( ولوط (.

والجواب عليه:

(1) ينظر: أصول البزدوي 4: 1846، وغيره.

(2) البقرة: من الآية115.

(3) ينظر: الكافي شرح البزدوي 4: 1847-1848، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت