ومما قالوا بعد ذكر هذه المسائل: (( فيها دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب، وعلى أن أبا حنيفة( برئ عن الاعتزال، لا كما ظنه البعض بسبب ما نقل عنه أنه قال ليوسف بن خالد السمتي: كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد؛ لأن معناه كل مجتهد مصيب بالاجتهاد؛ إذ هو المأمور به وهو حجة في حق عمله حتى يحكم بصحته, ولا يجوز له العدول عنه وإن أخطأ الحق الذي هو عند الله تعالى فيكون كأنه أصاب الحق ) ) (1) : (( أي مصيبٌ في طريق الاجتهاد ابتداءً, وقد يخطئ انتهاءً فيما هو المطلوب بالاجتهاد, ولكنه معذور في ذلك لما أتى بما في وسعه ) ) (2) ، (( فلا يؤدي إلى تصويب كلّ مجتهد، ويحمل على التصويب في نفس الاجتهاد لا فيما أدى إليه اجتهاده ) ) (3) . حتى أنه يثاب على اجتهاده ابتداءً وإن وقع اجتهاده مخالفًا للحقّ عند الله تعالى (4) .
وقالوا بهذا المعنى لكلام الإمام؛ لأنه (( لو حمل على ظاهره لكان متناقضًا, إذ قوله: والحق عند الله واحد يفيد أنه ليس كل مجتهد أصاب الحق, وإلا لكان الحق متعددًا, فلزم أن معنى قوله كل مجتهد مصيب: أي يصيب حكم الله تعالى بالاجتهاد, فإنه تعالى أوجب الاجتهاد على المتأهل له فإذا اجتهد فقد أصاب بسبب قيامه بالواجب ) ) (5) ، أو (( إنما يلزم منه التصويب في حق العمل لا في حق الحكم الثابت عند الله ) ) (6) .
سابعًا: مناقشة استدلالات المصوبة:
الأولى: إن المجتهدين في القبلة جعلوا مصيبين حتى تأدى الفرض عنهم جميعًا، ولا يتأدى الفرض عنهم إلا بإصابة المأمور به مع إحاطة العلم بخطأ من استدبر الكعبة.
والجواب عنه:
(1) ينظر: تبيين الحقائق 4: 201، وغيره.
(2) ينظر: المبسوط 16: 69، وغيره.
(3) ينظر: بدائع الصنائع 1: 248، وغيرها.
(4) ينظر: حاشية الشلبي 4: 201، وغيرها.
(5) ينظر: فتح القدير 7: 347، والبحر الرائق 7: 45، وغيره.
(6) ينظر: التقرير والتحبير 3: 176، وغيره.