ثم أورد عليه أنه يلزم عليه عدم جواز نقل مذاهبهم لعدم انضباطها، فلعل ما ننقله عنهم لو جمعت شروطه صار موافقًا لما نجعله مخالفًا له، قال: ويمكن الجواب بأن أمر النقل خفيف بالنسبة للعمل، فإنه قد يكون المقصود منه الاطلاع على وجوه الفقه والتنبيه على المدارك، وعدم الوفاق فيوجب ذلك التوقف عن أمور والبحث عن أمور (1) .
خامسًا: إن ما قام به الفقهاء المتأخرون من الاستنباط والتفريع هو عين فقه الكتاب والسنة؛ لأن عملهم لا يخرج مطلقًا من البناء على أصول وقواعد وفروع مستخرجة من الكتاب والسنة، وإنهم قاموا بواجبهم خير قيام، ولم يتوانوا عن خدمة شرع الله (، كلّ ذلك قواموا به بهمة عالية وعزيمة قوية، ومن أراد أن يطلع على شيء من هذا فليطالع كتب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (، لا سيما كتابي(( قيمة الزمن عند العلماء ) )، و (( صفحات من صبر العلماء ) )، فإن سيلاحظ بكل جلاء كيف أنهم لم يدخروا جهدًا في القيام على العلم ونقله إلينا في أفضل صورة.
وأكتفي بذكر قصة واحد منهم تبيِّن الحال التي هم عليها، وما نحو عليه وهي عن الحافظ المنذري (ت656هـ) إذ تولى مشيخة دار الحديث الكاملية، وانقطع بها وسكنها إلى آخر يوم من حياته، نحو العشرين سنة، عاطفًا على التصنيف والتحديث والإفادة والتخريج، فما كان يخرُج منها إلا لصلاة الجمعة، حتى إنه لما مات أكبر أولاده الحافظ رشيد الدين سنة (643هـ) صلى عليه فيها، وشيَّعه إلى باب المدرسة، وقال: أودعتُك يا ولدي الله تعالى، وفارقه (2) .
(1) ينظر: مواهب الجليل 1: 30، وغيره.
(2) ينظر: مقدمة جواب الحافظ المنذري ص26.