الترجيح والتفضيل بين بعض الروايات على بعض بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح، وهذا أوضح، وهذا أوفق بالقياس، وهذا أرفق بالناس.
التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية والرواية النادرة (1) .
وبهذا التفصيل نستطيع أن نقول: إن باب الاجتهاد الذي ادعى العلماء إغلاقه هو اجتهاد الطبقة الأولى ـ المجتهد المستقل ـ؛ لأن تحصيله في العصور المتأخرة متعسّر جدًا؛ لصعوبة نيل آلاته وتطبيقها على جميع الأحكام الفقهية.
فإغلاقه من باب سد الذريعة؛ خوفًا من التلاعب في الأحكام الشرعية، وانتشار الفوضى الفقهية، والتملّص من تطبيق أوامر الله ونواهيه، لا سيما بعد أن استقرّت المذاهب الفقهية وأحكم بنيانها، وتشعبت فروعها فشملت جميع ما يحتاجه المرء، واشتغل العلماء في تعليمها للناس وتطبيقها، فصار الفقه قانونًا مبيَّنًا للقاصي والداني، ولم يعد عذر للأنام إلا تطبيق الأحكام.
ففتح باب الاجتهاد المستقل فتح لباب التلاعب بالأحكام الشرعية، وإدخال الناس في هرج ومرج للتفلّت من التطبيق، وإشغال للعوام فيما لا ينبغي لهم من القيل والقال في دين الله، وهذا هو الملاحظ عند أهل زماننا بعد حصول هذه الطامّة الكبرى.
ففي هذا الطور اختفى فيه ظهور أئمة مجتهدين مستقلين، معترف لهم بذلك من الرأي العام الفقهي (2) .
أما اجتهاد الطبقة الثالثة وهو الاجتهاد في المذهب فلا نِزاع مطلقًا في الاعتراف به ووجوده عند المتأخّرين دون إنكار له، ومَن تتبع كتبهم وجدها مليئة بمثل هذا الاجتهاد، وبه حصلت الكفاية؛ لإيفاء الناس حاجتهم من الأحكام المستجدة المنضبطة بالقواعد والأصول الشرعيّة المعروفة.
(1) استخرجت هذه الأحوال والوظائف من طبقات ابن كمال باشا.ينظر:المنهج الفقهي 166-167.
(2) ينظر: المنهج الفقهي ص155، وغيره.