فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 203

وأما المعاصرون لاستنادهم لظاهر الأحاديث وجهلهم بالأصول وفقدان أدوات الاجتهاد لديهم فإن أحكامهم وتناقضاتهم لا تعدّ ولا تحصى، فأحدهم يتكلم اليوم بشيء وغدًا بعكسه، دون أي اهتمام، ولم يقف الأمر عند هذا، بل إنهم استباحوا حرمات الشريعة فأحلوا الحرام القطعي كالربا والزنا، وغيره من جواز سفور المرأة ومصافحتها، وكلُّ هذا، وهم يقولون نريد فقه الكتاب والسنة، لا فقه المذاهب، {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (1) .

رابعًا: إن استناد الفقهاء لفقه أئمة في استخراج ما يجدّ من فروع لا إلى الكتاب والسنة؛ لأنه كما سبق أن أحقّ الناس بالاقتداء هم الأئمة الأربعة بإجماع الأمة؛ لما سبق وسيأتي، فهؤلاء الأئمة قد سبروا نصوص الشريعة وأصلوا الأصول، واستخرجوا الأحكام منها بأدق صورة، حتى رضيت الأمة بذلك.

فهم بعبارة أخرى استخرجوا لنا عصارة ما في القرآن والسنة وآثار الصحابة ( من الأحكام الفقهية المتجانسة والبعيدة عن التعارض، وهذه أصعب مراحل الاجتهاد وأعلاها، ويسمَّى صاحبها المجتهد المستقل.

وكان للثقة والقبول الذي وجده أئمة المذاهب، أن يبني مَن جاء بعدم على ما أسسوا، لا أن يرجعوا مرّة أخرى، فكان من تتمة العمل أن يقوم الفقهاء باستخراج الأحكام الشرعية من نصوص إمامهم لا من نصوص الشارع؛ لأن إمامهم قام بمرحلة استخلاص الفروع المنضبطة من نصوص الشرع لا غير، ومن ثَمَّ قعَّد لهم القواعد المحكمة والأصول الدقيقة التي يمكنهم منها استنباط الأحكام الشرعية، بدل أن يبدأوا من جديد بإخراج القواعد من القرآن والسنة؛ لأخذ الأحكام منها؛ إذ أنهم بذلك يبذلون جهدًا في أمر تَمَّ وانتهى فلا طائل من إضاعة العمر فيه إلا التقعاس عن إيفاء حاجات الناس في المسائل الفرعية، وإيقاف نمو وشموخ وازدهار هذا الصرح الفقهي العظيم.

(1) الصافات:159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت