ومما هو معلوم أن الفقه إجمالًا يقوم على أحاديث الآحاد، واحتمال الخطأ فيها وارد؛ لأن رواتها بشر، لا سيما وأن الغالبية العظمى من هذه الأحاديث منقولة بالمعنى، وليست هي ما تلفظ به النبي ( حتى نبني أحكامًا على ظاهرهًا، فالراوي يخطئ وينسى، فلعله نقله بمعنى فهمه، وهذا المعنى غير مقصود للشارع، وهذا من أسباب التعارض بين ظاهر الأحاديث.
لكلّ ذلك رأينا أئمتنا بنوا الأحكام على علل النصوص على ظواهرها، فاستخرجوا العلة من مجموع النصوص لا من آحادها؛ لأن هذه العلة ستطرد في أحكام لا تعد ولا تحصى، ، وهذا بالفعل يقلل دائرة تعارض الأحكام مع بعض الأدلة، بينما نجد المعاصرين؛ لضعفهم الشديد بأصول الفقه يبنون الأحكام على ظواهر الأحاديث، مما أوقعهم في تناقض لا أول له من آخر.
إذن التعارض إجمالًا بين الأحكام وظواهر بعض الأدلة واقع لا محال لكل متبصر، ولا إشكال في هذا، وإنما الإشكال في مدى هذا التعارض:
فأئمة المذاهب لاستنادهم في اجتهادهم إلى أصول، وتتبعهم للعلل، وأخذهم الأحكام من مجموع الأدلة، كانت المعارضة بين أحكامهم وبين ظاهر الأدلة يسيرة لا التفات لها، ويمكن توجيهها، وقد تتبعث هذه المسائل لدى كلٍّ منهم من خصومه، فكانت محدودة ومحصورة، وقد أجاب عليها أصحاب كل إمام بما يرفع الإشكال، من ذلك مثلًاُ ما استدركه ابن أبي شيبة ( على الإمام أبي حنيفة ( ظاهر بعض الأحاديث وردَّ كثير من علماء الأحناف بما يشفي, وكان آخر من رد عليه الإمام الكوثري في كتابه(( النكت الطريفة في التحدث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة ) ).