فالمسألة إذًا مسألة مرحلية واستمرارية له ومحافظة عليه، لا أنها نبذ للقرآن والسنة، وتمسك بأقوال الفقهاء؛ لأنه لا بد لكلّ مجتهد متمكن بصير من عمله أن يقوم بجمع الأدلة واستخراج أصل منها يبني عليها أحكامه، ولا أحد عاقل يقول: إن استخراجه من الأصل الذي بناه، ترك للكتاب والسنة؛ لأن هذا الأصل مستخرج منهما، وهذا حقيقة ما فعله الفقهاء في مذاهب الفقهية المختلفة، فمن أدرك ذلك شكر سعيهم، ومَن غفل عنه اتهمهم بالتقعاس وقلة الهمة وعدم القيام بواجبهم.
وإذا وصل بنا الأمر إلى المجتهد في المذهب فأنني أرى من المناسب اطلاع القارئ الكريم على تفصيل ذلك كما كتبته في (( المدخل ) ) (1) :
فالمجتهد في المذهب: وهو أن يكون مقيدًا بمذهب إمام، مُستقلًا بتقريرِ أصولهِ بالدليلِ، غير أنه لا يجاوز في أدلته أصول إمامهِ وقواعده، وشرطه كونه عالمًا بالمذهبِ وأصولهِ، وأدلة الأحكام تفصيلًا، وكونه بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التَّخريج والاستنباط بقياس غير المنصوص عليه على المنصوص لِعلمِهِ بأصولِ إمامهِ، ولا يعرى عن تقليدٍ لإمامه، لإخلاله ببعض أدوات الاجتهاد المستقل، كالنحو والحديث ونحو ذلك (2) .
(1) المدخل إلى دراسة الفقه ص222-226.
(2) ينظر: النافع الكبير 7-18 عن شن الغارة على من أظهر معرة تقوله في الحنا وعواره لابن حجر الهيتمي. وينظر: الاجتهاد المطلق للبطري ص16-17، والإنصاف في أسباب الاختلاف ص80-82 وغيرها.