فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 203

ونجد في عصر التابعين أيضًا أن أمر الفقه والفتوى كان منتظمًا لمن كان أهلًا له، حفاظًا على الدين وأهله، قال ابن كيسان: (( اذكرهم في زمان بني أمية يأمرون بالحج صائحًا يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح ) ) (1) . وقال ابن وهب (:(( حججت سنة ثمان وأربعين ومئة وصائح يصيح لا يفتى الناس إلا مالك بن أنس وابن الماجشون ) ) (2) ، فانظر كيف أن الفتيا كانت مخصوصة بأهلها.

وهكذا استمر الحال في متابعة أولي أمر المسلمين لمن يتولى الإفتاء؛ لما يترتب عليه من مخاطر جسيمة تلحق بالأفراد والمجتمع، قال العلامة الخطيب البغدادي (:(( ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمَن صلح للفتيا أقرّه، ومَن لا يصلح منعه، ونهاه أن يعود، وتوعده بالعقوبة إن عاد. وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق به ) ) (3) .

إذا استبان لك بوضوح أن نهج سلفنا وخلفنا في أمر الفتيا: أي في فهم الكتاب والسنة وتبيينه للناس كان موكولًا لأهله من العلماء الأفذاذ تطبيقًا لقوله (: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (4) ، علمت مدى الخلط الذي وقع فيه المعاصرون بجعل فهم الكتاب والسنة موكولًا لكل أحد من الناس، مما جعل الدين وجهات نظر بينهم، فيقول أحدهم: إن وجهت نظري أنه حلال، ويقول آخر: إن وجهت نظري أنه حرام.

(1) ينظر: العبر 1: 141-142، ووفيات 3: 261-263، وطبقات الشيرازي ص57،والأعلام 5: 29

(2) ينظر: سير أعلام النبلاء 8: 108، والتقريب ص298، وطبقات الشيرازي ص52، وغيرهم.

(3) ينظر: المجموع 1: 73-74، وغيره.

(4) النحل: من الآية43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت