فهؤلاء العوام ممن لا يملكون أي نصيب من العلم يؤهلهم للنظر والفهم للكتاب والسنة، ومع ذلك يعطون الحرية التامة في فهمهما، الأمر الذي أوقعنا في متاهة لا يعلمها إلا الله، وجعل كل واحد منهم مشرع ـ نعوذ بالله ـ ؛ لأنه طالما لم يملك أهلية الفهم للكتاب والسنة، فإنه سيأتينا بدين من مزاجه، وهذا مما لا يوافق عليه أحد.
وحقيقة إن هذا الفرق بين فهم المجتهدين وغيرهم؛ إذ إن المجتهد بفهمه للكتاب والسنة يبيِّن مراد الله (، ولا يكون مشرعًا؛ لأنه يملك الأدوات التي تؤهله إلى بيان مقصود الله، بخلاف العوام فإن فهمهم يعد تشريعًا من أنفسهم؛ لعدم قدرتهم على بيان مراد الله (، وإنما يقدرون على بيان مراد أنفسهم، فيكونوا قد جاءوا بشرع من تلقاء أنفسهم.
وعدم إدراك هذا الفرق الظاهر بين حال المجتهدين وغيره، أوقع المعاصرين كما سبق باعتبار اجتهاد المجتهدين أقوال رجال، وشرع غير شرع الله (، فجعلوا حكم فهم الفقهاء كحكم فهم العوام بأنه خلاف الدين، ولم يقفوا عند هذا الحدّ، بل فتحوا باب الفهم لكل أحد؛ استخراج ما يسمونه فقه الكتاب والسنة.
ومن الكلام السابق المستند إلى الحجج والأدلة وعمل السلف الصالح تيقَّنا أنه يجب أن نخرج العوام من دائرة الاجتهاد، فإذا انحصر الأمر بالمجتهدين، فهؤلاء المجهتدون ليسوا على درجة واحدة سواء في القدرة العقلية، أو العلمية، أو الدينية ـ أي الورع والتقوى ـ، أو الزمانية ـ أي في أي زمان عاش ـ فنحن بشر، ونتفاوت في ذلك تفاوتًا كبيرًا.