لكني لم أقف على تعبير من واحد منهم على تسمية ما يستنبطونه من أحكام فقه الكتاب والسنة؛ لأنه كتعريف الماء بعد الجهد بالماء، فلا شكّ أن المشرّع هو الله ( بكتابه الكريم وسنة نبيه (، واستنباط الأئمة هو بيان لمراد الله (؛ لأن من أتى في مسألة واحدة بحكم من غير الكتاب والسنة كان مشرعًا، وشريكًا لله (، وهذا يجعله من أئمة الفاسقين لا أئمة الدين، قال الإمام المحدث الفقيه ابن عبد البر(1) : (( ولم نجد أحدًا من علماء الأمة أثبت حديثًا عن رسول الله( ثمّ ردَّه إلاَّ بحجّة كادِّعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحد من غير حجّة لسقطت عدالته، فضلًا عن إمامته، ولزمه اسمُ الفسق، وعافاهم الله عن ذلك، وقد جاء عن الصحابة اجتهادهم بالرأي والقول بالقياس على الأصول ما سيطول ذكره، وكذلك التابعون ) ).
فالقرآن والسنة هما مصدر الأحكام، ومنهما تستقى، وهذا أمر واضح جليّ لا يجعله إلا غبي، حاد عن السبيل، وباقي مصادر التشريع من الإجماع والقياس وغيرهما، مردها لهما، قال الإمام الشافعي (( 2) : (( لم أسمع أحدًا ـ نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم ـ يخالف في أن فرض الله عزّ وجل اتباع أمر رسول الله ( والتسليم لحكمه، بأن الله عزّ وجل لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قولٌ بكلِّ حالٍ إلا بكتاب الله أو سنة رسول (، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله( ) ).
(1) في جامع بيان العلم 2: 148.
(2) في الأم 7: 285.