فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 71

الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد. وأنفق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر رسول الله، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا. وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدًا وقربًا. ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي.

ثم لما مات شهيدًا وقد عاش حميدًا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - شهيد الدار. فكسا الإسلام رياسته حلة سابغة. وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. وعلت كلمة الله ودينه. وبلغت الملة الحنيفة من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالًا بقول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار"وقوله:"وليجدوا فيكم غلظة"أي وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوه الكافر، لقوله تعالى:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين"وقوله:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"وقوله:"يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم"وفي الحديث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أنا الضحوك القتال"يعني أنه ضحوك في وجه وليه، قتال لهامة عدوه. وقوله تعالى:"واعلموا أن الله مع المتقين"أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه، وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله عز وجل لم يزالوا ظاهرين على عدوهم. ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم يزل الأعداء في سفار وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في الأطراف، فأخذوا البلاد وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام من الأطراف بلدانًا كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية لله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمة المسلمين في سائر الأقاليم إنه جواد كريم. انتهى

* قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة 29]

قال الإمام ابن كثير في تفسيره:"وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعدما تمهدت أمور المشركين، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، واستقامت جزيرة العرب، أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقتال أهل الكتابين: اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة، فندبهم، فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفًا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة، ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك فنزل بها، وأقام فيها قريبًا من عشرين يومًا، ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق الحال وضعف الناس."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت