التدابير الأمنية:
بما أن العوامل التي تهدد الأمن تشمل عوامل داخلية وعوامل خارجية، فإن التدابير يجدر أن تشمل أيضًا التدابير ببعديها: الداخلي والخارجي، على الوجه الآتي:
أولًا: التدابير الأمنية الداخلية:
ويدخل ضمن التدابير الأمنية الداخلية، كل ما أوردناه من مكافحة التجسس، وترسيخ الأمن الايجابي، وتحصين الجبهة الداخلية. ونضيف ـ هنا ـ التدابير الداخلية المتعلقة بمكافحة الغزو الأجنبي المسلح، والاضطرابات المسلحة المدعومة من الخارج، ونقتصر في ذكر هذه التدابير على التالي:
(أ) التعبئة والإعداد:
لما كان الغزو الأجنبي المسلح، ودعم الاضطرابات المسلحة يردان ضمن ما يُحتمل أن يسلكه الأعداء، صار لزامًا على الدولة المسلمة أن تقدر موقفها وحاجتها من العدة والعتاد لمواجهة هذا الاحتمال، وأن تعد قواتها المسلحة إعدادًا جيدًا، تدريبًا وتأهيلًا وتوعيةً.
وعلى الدولة أن تحفز الجماهير ـ بالتعبئة ـ لدعم الجهد الحربي ماديًا وبالمشاركة الفعلية في القتال إلى جنب القوات المسلحة; جهادًا في سبيل الله، فالفقهاء يقولون: أن العدو عندما يطأ أرض المسلمين فان الجهاد يصبح فرض عين على كل مسلم عاقل، بالغ، خال من الأعذار الشرعية. وينبغي على المجتمع أن يوفر الموارد الكافية للجهاد، وأن يساند المجاهدين معنويًا كما يعضدهم ماليًا، يقول تعالى: {وأنفقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تلقُوا بأيديكُم إلى التهلكةِ وأحسنُوا إنَّ اللهَ يحبُّ المحسنين} (107) ، ويقول تعالى: {وأعدُّوا لهُم مَّا استطعتُم مِن قوة ومِن رباطِ الخيلِ ترهبونَ بهِ عدوَّ اللهِ وعدوكُم وآخرينَ مِن دونهِم لا تعلمونهمُ اللهُ يعلمهُم ومَا تنفقُوا مِن شيء في سبيلِ اللهِ يوفَّ إليكُم وأنتُم لا تظلمونَ} (108) .
(ب) الجهاد:
إذا وقع غزو أجنبي مسلح، أو اضطراب امن البلاد بدعم من أجنبي، فعندئذ يجب الجهاد والقتال لحفظ الأمن والنظام وكف الخطر الخارجي. فالقتال هدفه إعلاء كلمة الله وحفظ الثغور والنحور والأموال. والجندية في الإسلام تكليف لأداء هذه الأهداف السامية، وليست مهنة لكسب القوت أو الارتزاق، وهي واجب يقوم به الجند كفاية عن المسلمين، ثم يشترك كل المسلمين في مدافعة العدو، إلا من أسقط عنه الإسلام هذا الواجب الجهادي لأعذار محددة.
فالله تعالى يقول: {الذينَ أخرجُوا مِن ديارهِم بغيرِ حق إلاَّ أن يقولُوا ربنَا اللهُ ولَو لا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهُم ببعض لهدمَت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يذكرُ فيهَا اسمُ اللهِ كثيرًا ولينصرنَّ اللهُ مَن ينصرهُ إنَّ اللهَ لقويٌ عزيزٌ} (109) . ويقول تعالى: {انفرُوا خفافًا وثقالًا وجاهدُوا بأموالكُم وأنفسكُم في سبيلِ اللهِ ذلكُم خيرٌ لكُم إن كنتُم تعلمون} (110) .
ومن الواجب على الدولة المسلمة أن تهيئ الشعب كله، وتعده إعدادًا عسكريًا ومعنويًا، فيتدرب على فنون القتال، ويتحلى بالتربية الدينية التي تحرضه على الجهاد، وتحثه على القتال والتواصي بالحق والصبر، والثبات عند اللقاء، وطاعة أولي الأمر، يقول تعالى: {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا إذَا لقيتُم فئةً فاثبتُوا واذكرُوا اللهَ كثيرًا لعلكُم تفلحونَ. وأطيعُوا اللهَ ورسولهُ ولا تنازعُوا فتفشلُوا وتذهبَ ريحكُم واصبرُوا إنَّ اللهَ معَ الصابرينَ} (111) .
والمسلمون يقاتلون دفاعًا عن قيم الحق، فان ترك العدو قتالهم ورجع عن أرضهم وكف عن أذاهم جانحًا إلى السلم، فالسلم غاية كل مسلم يقول تعالى: {وإن جنحُوا للسلمِ فاجنَح لهَا وتوكَّل علَى اللهِ إنهُ هوَ السميعُ العليمُ. وإن يريدُوا أن يخدعوكَ فانَّ حسبكَ اللهُ هوَ الذي أيدكَ بنصرهِ وبالمؤمنين} (112) .
ثانيًا: التدابير الأمنية الفنية الخارجية:
أن من العهود أن تكون للدولة مؤسسات خارج الوطن، أهمها البعثات الدبلوماسية، ومنها مكاتب