الصفحة 23 من 90

أثر العقيدة في تحقيق أمن الفرد:

* يُكسب الإيمان الإنسان السكينة والطمأنينة والأمان، وتتذبذب هذه الحالة، ضعفًا وقوةً، بقدر اعتصام الإنسان بشعب الإيمان أو ابتعاده عنها، لأن الإيمان، وحده العاصم من البطر بخير الدنيا أو الجزع من نصبها ولإيوائها، فالمؤمن الحقُّ عادةً ما يكون متوسط المشاعر في حالتي الخير والشر: {لكيلا تأسَوا علَى مَا فاتكُم ولا تفرحُوا بمَا آتاكُم} (58) ، {ولا تجعَل يدكَ مغلولةً إلى عنقكَ ولا تبسطهَا كلَّ البسطِ فتقعدَ ملومًا محسورًا} (59) .

* ولما كانت قوى الطبيعة، وقوى المجتمع الشريرة، تثير قلق الإنسان وخوفه، فإنَّ النجاة منها نصيب الإنسان المعتصم بذكر الله، {الذينَ آمنُوا وتطمئنُّ قلوبهُم بذكرِ اللهِ ألا بذكرِ اللهِ تطمئنُّ القلوبُ} (60) . وحالة الأمن والطمأنينة الشافية لا تتم إلا إذا نزع المؤمن من قلبه كل أنواع الشرك: {الذينَ آمنُوا ولَم يلبسُوا إيمانهُم بظلم أولئكَ لهمُ الأمن وهُم مهتدونَ} (61) ، ويقول مفسرو هذه الآية: إن الظلم هنا هو الشرك، وان هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي ص، فقال لهم: «ألم تروا إلى قوله تعالى: {إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيمٌ} (62) » .

* ومن مذهبات الأمن والطمأنينة: الموت والجوع والخوف، وهي المنغصات الثلاث التي ما فتئت تطارد الإنسان بالقلق، ولكن المؤمن يعتبرها ـ جميعًا ـ ابتلاءً من الله، فيصبر عليها انتظارًا لثوابه، {ولنبلونكُم بشيءٍ منَ الخوفِ والجوعِ ونقص منَ الأموال والأنفس والثمراتِ وبشرِ الصابرينَ. الذينَ إذا أصابتهُم مصيبةٌ قالُوا إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ} (63) .

* ومما يصيب الإنسان بالخوف والجزع، الحرب وساحات الوغى. والإيمان يهيئ المؤمن للثبات في الحرب، بإشاعة روح الجهاد وجعل الشهادة في سبيل الله غايةً رفيعة، {يَا أيهَا الذينَ آمنُوا إذا لقيتُم فئةً فاثبتُوا واذكرُوا اللهَ كثيرًا لعلكُم تفلحونَ} (64) .

لذلك نجد المؤمن لا يخشى حشود الأعداء ولا يأبه لتقصدهم إياه بالشائعات والدعايات، قال تعالى: {الذينَ قالَ لهمُ الناسُ إنَّ الناسَ قَد جمعُوا لكُم فاخشوهُم فزادهُم إيمانًا وقالُوا حسبنَا اللهُ ونعمَ الوكيلُ} (65) . وليست طمأنينة المؤمن بوقف على حالة التهديد من الأعداء قبل خوض المعترك، بل نجده في معمعان المعركة يغشاه النعاس بفضل إيمانه، وبفضل الله على عباده المؤمنين، {ثمَّ انزلَ عليكُم مِن بعدِ الغمِ أمنةً نعاسًا يغشَى طائفةً منكُم} (66) .

الاستقامة:

يقول تعالى في محكم تنزيله: {فاستقِم كمَا أُمرتَ ومَن تابَ معكَ ولا تطغَوا إنهُ بمَا تعملونَ بصيرٌ} (67) ، وفي القرآن: {قالَ قد أُجيبَت دعوتكُمَا فاستقيمَا ولا تتبعانِّ سبيلَ الذينَ لا يعلمُون} (68) ، وقال تعالى: {إنَّ الذينَ قالُوا ربنَا اللهُ ثمَّ استقامُوا تتنزلُ عليهُم الملائكةُ ألاَّ تخافُوا ولا تحزنُوا وأبشرُوا بالجنةِ التي كنتُم توعدُون} (69) . إنَّ هذه الآيات ـ جميعًا ـ تشير إلى قيمة الاستقامة في تثبيت القلوب وطمأنتها، ومن ثم، فالاستقامة شرطٌ حتمٌ لتحقيق الأمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت