الصفحة 70 من 373

... كأن مفاهيم الطرفين تعكس بدعتين شابتا صفاء مجتمع السلف وتوسطهم في إنزال الناس منازلهم فإن اليائس السريع الاتهام يوجد له في مجازفات الخوارج مثيل، إذ كانوا لا يرضون جمهور المسلمين، ويبدون لهم القسوة وأما أصحاب التساهل فيقاربون ما ذهب إليه المرجئه، لما كانوا يكتفون بقول اللسان دلالة على الإيمان.

... لهذا كان من الضرورى أن يرى كل داعية مسلم ما رأى جبير بن نفير، ليعتدل في أحكامه ويستقرب الإصلاح ويمضى في طريق البشرى والتفاؤل والمل، مثلما يتوقع الحيصة والنكوص والجفاء، فيشترط وبفحص.

... إن قول جبير يراه الرائى من البديهات لكنه في الحقيقة ميزان في العمل وتعليم منه ننطلق إلى تجميع الناس وتربيتهم في غير ما تهور نعتدى به على إيمان الناس، أو أن نسلبهم إياه وننطق بتكفير.

... وقد ترى في بعض المجتمعات وجود صنف ثالث مخلط فيه من الصلاح شبعة، ومن المداهنة والنفاق مثلها، وتلك علامة سوء، وليس فيها تقليص للنصف الطالح كما قد يتوهم البعض، فإن وجود مثل هؤلاء يفتر الصراع والتمايز، ويوهن المفاصلة الواجبة، ووجود الشر المفصح عن هويته وطبعه أهون، امل يؤدى غليه من جفلة الأخيار وتحفيز عوامل الجد فيهم.

... إن مجتمع بغداد والعراق مثل واضح للانحازين المتضادين: الصلاح والفساد، والعراقيون يتحدثون بهذا، ويظنون أنها من خواص مجتمعهم، ولكن الأمام الغزالى كشف عن أصلها وبين أنها طبيعة قديمة في المجتمع العراقى منذ ايام الدولة العباسية فأورد جواب بعض الحكماء وقد سئل عن أهل بغداد، فقال الحكيم:

... (زاهدهم زاهد، وشريرهم شرير) (1) .

... المداهن ومن في المنتصف قلة، ... ولذلك كانت الأيام بينهم دولا، يتعاقبوها، وهى ... كذلك اليوم.

(1) إحياء علوم الدين 4/355.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت