... إن الإشاعة وقول الافتراء، واختلاق القصص، قد أصبحت وسائل مبررة سارية في العمل السياسى مع السفن وإنك لتعجب حقا من الملاحدة كيف أنهم ينسبون لأنفسهم فلسفة، ويكلمونك عن القضايا المصيرية بلسان عريض وعرض إحصائى، يدعون الدقة، فإذا تكلموا عن العمل الإسلامى ودعاة السلام، ملأوا حديثهم ومقالاتهم بالأكاذيب وتهم الزور، وجنحوا إلى خلق ضعيف ينم عن نفس مريضة معلولة.
... ويزيد المحنة ما عليه أغلب الجيل الحاضر من أبناء الأمة من سرعة التصديق والتأثر بما يقال دون تمحيص وفحص، فيصدون عن الدعاة، ويتشككون، ولا يكلفون أنفسهم قليلا عناء تجربتهم بالمخالطة، وما هو بعناء ولا يرفعون رؤوسهم قليلا ليروا نور الصدق وضاء في جبين كل داعية، أو ينصتوا باذانهم ليسمعوا نغمة إخلاص مميزة في صوته.
... وهكذا يضرب حصار آخر على مجموعة الدعوة الناشئة، فيه قسوة بالغة وعدوان جبان، فتلوذ المجموعة بعفافها وسمو أخلاقها، وتربا بنفسها عن رد بمثل حتى تنعزل.
... فمن أجل تجاوز احتمالات مثل هذه العزلة التى يفرضها الملاحدة علينا: يكون هدوء النشأة، والتروى في النزول إلى ميدان المنافسة.
بين حقائق الواقع وتمنيات التفاؤل
... وثمة سبب رابع مهم يعظ بالتروى قبل الإعلان، والبعد في مرحلة النشأة وفترة الحضانة عن المجال العام، فإننا حين نصف الرواد بأنهم دعاة فإننا لا نعنى أنهم قد قطعوا شوطا كبيرا في تربية أنفسهم، بل ما زالت فيهم بقية من الجاهلية، من رياء وتحاسد، وحب جدل وغرور، واستئناس بمحمدة وشيوع ذكر، والنزول المبكر إلى الميدان يعرضهم لمغريات كثيرة تكبر بها نفوسهم لأكثر مما تحتمل حقائقها، من رئاسة، وصيت حسن، ودعاية صحفية، وتصفيق وهتاف، ووميض آلات التصوير، ووفود المعجبين، فتكون الفتنة في محيطهم جد محتملة، وتبدأ عوائق النزاع والتنافس الدنيوى بينهم، وبخاصة إن كانوا أقرانا ليس لهم رئيس قائدا أكبر منهم سنا وأجزل علما وأوفر هيبة.