قالت هنْدُ: والله إن كنتُ لأُصيبُ من مال أبي سفيان الهنَكَ والهنكَ, -أيْ الدُّريْهمات- ولا أدري أكان ذلك حِلاًّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان -وكان شاهدًا معها-: أما ما أصبتِ فيما مضى, فأنت منه في حِلّ، عفوْنا عن الماضي، فقال عليه الصلاة والسلام: وإنَّك لَهِنْد بنتُ عتبة؟ فقالَتْ: أنا هند بنت عتبة، -أيْ زوجتهُ- فاعْفُ عما سلف, عفا الله عنك، -أيْ سامِحْها- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تزنين, فقالت: يا رسول الله, وهل تزْني الحُرَّة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تقتلن أولادكنّ، فقالت هندُ: قد ربَّيناهم صِغارًا، وقتلْتَهم يومَ بدْرٍ كِبارًا، وهم أعْلم، فضَحِكَ عمر بن الخطَّاب مِن قولها, حتَّى اسْتغربَ! -أيْ بالغَ في الضَّحك- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تأتين بِبُهتانٍ تفْترينَهُ بين أيْديكنّ وأرجلكنّ، فقالت: والله إنَّ اتيان البُهْتانِ لَقَبيح، فقال صلى الله عليه وسلّم: ولا تعصين في معروف، فقالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نريد أن نعصيك في معروف، -وكلمة لا يَعْصينكَ في معروف دقيقة جدًّا، هل في الأرض كلّها إنسان تتوجَّب طاعتهُ كرسُول الله؟ يستحيل، ومع ذلك طاعتُهُ مُقيَّدَة بالمعروف.
فأحد الصحابة الذي أمَّره النبي عليه الصلاة والسلام على جماعةٍ، وكان هذا الصحابيّ ذا دُعابَةٍ، فقال: (( أبْرِموا نارًا عظيمة، فأبْرموها، ثمَّ قال: اقْتَحِموها, ألسْتُ أميركم؟ أليْسَتْ طاعتي طاعة رسول الله؟ فقال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: كيف نقْتحمها، وقد آمنَّا بالله فِرَارًا منها؟ وقال بعضهم: طاعته طاعة رسول الله, فاختلفوا، فعَرَضُوا هذا على النبي عليه الصلاة والسلام: والله لو اقْتحمْتموها لا زِلْتُم فيها إلى يوم القيامة، إنّما طاعة في معروف ) ).
فالعَقْل لا يُعطَّل لو قال: ولا يعصينك في معروف؛ مقيّد، حتى النبي وهو سيّد الخلق.