فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 475

قال: (( كانت لا تنسى ليلةً, طاف فيها, يتفقَّد رعيته، فإذا هو بامرأة في جوف دارها، وحولها صبيان يبكون، وإذا قدر على النار ملأته ماءً، فدنى عمر من الباب, فقال: يا أم, ما هذا؟ لمَ يبك أولادكِ؟ قالت: بكاؤهم من الجوع، قال: فما هذه القدر التي عليها النار؟ قالت: قد جعلت فيها ماءً أعللهم بها حتى يناموا، -أوهمهم أن فيها شيئًا من دقيق وسمن- فجلس عمر يبكي، ثم جاء إلى دار الصدقة، فأخذ حملًا أو وعاءً، وجعل فيه شيئًا من دقيقٍ، وسمنٍ، وشحمٍ، وتمرٍ، وثيابٍ، ودراهم، ثم قال: يا أسلم, احمل هذا علي، فقلت: يا أمير المؤمنين, أنا أحمله عنك، فقال: لا أنا أحمله، لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة.

-ألم يقل مرةً: (( والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق, لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟ ) )-.

فحمله حتى أتى به منزل المرأة، وأخذ القدر, فجعل فيها شيئًا من دقيق, وشيئًا من شحم وتمر، وجعل يحركه، وينفخ تحت القدر, حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده، ويطعم الصغار, حتى شبعوا، ثم ربط بجانبهم، فلم يزل حتى لعبوا وضحكوا، ثم قال: يا أسلم, أتدري لمَ ربطت بحذائهم؟ أي جلست إلى جانبهم, قلت: لا يا أمير المؤمنين، فكرهت أن أذهب, وأدعهم حتى أراهم يضحكون، فلما ضحكوا طابت نفسي )) .

هذا الذي يرحم الصغار إنسانٌ عظيم، هؤلاء الصغار أحباب الله، هؤلاء الصغار رجال المستقبل، هؤلاء الصغار إذا ربّوا على الرحمة, رحموا الآخرين، والإنسان إذا ربِّي في بيت صحيح، في بيت سليم، في بيت فيه رحمة، فيه قيَم، حينما يكبر في الأعم الأغلب, يرحم الناس جميعًا، لا يؤذيهم, لا يظلمهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت