فتفرَّس عمر ما تشكوه هذه المرأة، فبعث إلى زوجها فاستنكهه، فإذا هو أبخر الفم, أي عرف السبب, فإنسان دميم له رائحة كريهة، هذا قد يؤذي زوجته، وقد يدفعها إلى أن تفكر بغيره، فلا بد أن يأخذ الإنسان السنة النبوية، لأن الله عز وجل يقول:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}
[سورة البقرة الآية: 228]
فكما أنك من حقك أن تطلب من زوجتك شيئًا، هي أيضًا من حقها أن تطلب منك شيئًا.
ومن أشهر ما يؤثر عن عمر رضي الله عنه في تفهُّمه قضايا المرأة، وبالأخص ما يتعلَّق برغباتها، التي فطر الله تعالى النساء عليها، ما روي من أنه كان يطوف ليلةً بالمدينة متفقدًا رعيته، فسمع امرأةً تقول:
فو الله لولا الله لا شيء غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكُفُّني ... وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
يبدو أن زوجها ابتعد عنها كثيرًا، وهي في أشد الحاجة إليه، فلما كان من الغد، استدعاها عمر وسألها: (( أين زوجكِ؟ قالت: بعثت به إلى العراق, لقد سألها من غير أن يشعرها بما سمع منها، وقد أجابته هي بحياءٍ وتصبُّر، ولم تفصح عما في نفسها من شوقٍ عميق لزوجها الغائب عنها، عندئذٍ استدعى عمر نساءً مع ابنته حفصة، فسألهن عن المرأة المتزوجة: كم مقدار ما تصبر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في أربعة أشهر ) ).
أما بلاد إسلامية طويلة عريضة لا تقبل الموظف عندها إلا بلا زوجته، سنة، أحد عشر شهرًا، تحرمه من زوجته، ويحرمونها من زوجها، أكثر دول الخليج هكذا، لا تقبل الموظف مع زوجته، هذا خلاف الفطرة، خلاف حاجة الإنسان إلى زوجة، خلاف حاجة الزوجة إلى زوج، خلاف تشتيت الأسرة، فسيدنا عمر بعد ذلك, أعطى أمرًا, ألا يجمَّد الجندي في البعوث أكثر من أربعة أشهر، وبعدها يعود إلى زوجته.