لما هلك أبو طالب, نالت قريش من النبي عليه الصلاة والسلام من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، وبالغ في إيذاء النبي، فدخل عليه الصلاة والسلام بيته، فقامت إليه إحدى بناته وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول لها: (( لا تبكِ يا بنية فإن الله مانع أباكِ ) ).
وقال عليه الصلاة والسلام: (( ما نالت مني قريشًا شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب ) ).
النبي قدوة, ذاق الفقر، دخل بيته, فقال: (( هل عندكم شيء؟ فقالوا: لا, ولا شيء, قال: فإني صائم ) ).
ذاق الغنى؛ (( لمن هذا الوادي من الغنم يا رسول الله؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: والله هو لك ) ).
ذاق النصر في فتح مكة، دخلها مطأطئ الرأس, متواضعًا لله عزَّ وجل، ذاق القهر في الطائف, (( إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي ) ).
ذاق المرض، ذاق الصحة، ذاق موت الولد, (( إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ) )
[أخرجه البخاري عن أنس في الصحيح]
وذاق موت الزوجة، وذاق تطليق البنات، طُلِّقت بنتاه مبالغةً في إيذائه، وذاق الهجرة، وذاق المرض، وذاق الإخراج من بلده، كل شيءٍ ذاقه، ووقف الموقف الكامل من كل الظروف الصعبة التي مرَّ بها، لذلك كان قدوةً لنا وأسوةً، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما تتم السنة إلا به فهو سنة، وحينما قال الله عزَّ وجل:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ}
[سورة الأحزاب الآية: 21]
معرفة سيرة النبي العملية فرض عينٍ، لنحقق هذا الأمر بأن يكون النبي أسوةٌ حسنة.