أحيانا يكون الشخص مقيمًا في مدينة أقربائه، وأخوانه، وأعمامه، وأخواله، أما الشخص الغريب الوحيد, فليس له أحد، وهذا يحتاج إلى معاملة طيبة جدًا، وإلى رعاية خاصة, كي ينسى أنه غريب.
روى أبو نعيم عن أنس, قال: (( بلغ صفية أن حفصة قالت لها: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تبكي, فقال: ما شأنك؟ قالت: قالت لي حفصة: إنك بنت يهودي، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: إنك لبنت نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحتَ نبي، فبم تفخر عليك؟ ثم قال: اتق الله يا حفصة، وكانت صفية؛ عاقلة, فاضلة, حليمة, لا تأبه بكل تلك المضايقات ) ).
هنا سؤال: الله عز وجل له حكمة بالغة، قد يخرج من صلب إنسان لئيم أحمق, امرأة صالحة، قد يأتي من نسل رجل مجرم, إنسان ولي، فالله عز وجل يخلط، معنى يخلط, قد يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، وقد تجد من نسل عالم جليل, تائهًا شاردًا، قد تجد من نسل رجل شارد, وليًّا لله عز وجل، فهذه صفاته أن تكون من نساء رسول الله عليه الصلاة والسلام عقل، وذكاء، وحكمة، وأدب، وخجل، وتواضع، ورأت أن قمرًا وقع في حجرها، فلما ذكرت ذلك لأمها, لطمتها على وجهها.
تروي كتب السيرة أن بعض زوجاته آذتها بلسانها, فقاطعها النبي شهرين للتي آذتها، كان يرعاها رعاية خاصة.
كان لهذه السيدة المصون مواقف جليلة, وتصرفات نبيلة, تنبئ عن كبر عقلها، وعظيم إخلاصها.
والحقيقة: أروع ما في المرأة عقلها، المألوف أن المرأة تزهو بجمالها أو بأنوثتها، أما حينما يضاف إلى جمالها عقل راجح, فتكون شيئًا نادرًا جدًا، فما أروع العقل بالمرأة، وقد قال رجلٌ لزوجته: (( إن في خلقي سوءًا، فقالت له: إن أسوأ منك خلقًا من حاجك إلى سوء الخلق ) ).