فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 475

فالغيرة أمر فطري في كل إنسان، هي في النساء أوضح، لكن لها حالات طبيعيَّة, ولها حالات مرضيَّة، الحالات الطبيعيَّة لصالح الإنسان، كم من إنسانٍ حفظ كتاب الله, لأنه أصابته الغيرة من حافظٍ آخر، كم من إنسان سلك طريق الإيمان, لأنه أصابته الغيرة من قريبٍ، أو صديقٍ، أو جارٍ, تفوَّق عليه في الإيمان.

أنا أضرب لكم مثلًا واضحًا جدًا: كنت أُدعى كل عام لميتمٍ من أشهر مياتم دمشق، هذا الميتم إدارته تدعو كبار أغنياء الشام، ويقام حفل عشاء في رمضان، وتلقى الكلمات تحث هؤلاء الأغنياء على البذل والتضحية، كنت أكلَّف كل عام بأن ألقي كلمة أحث بها الأخوة المؤمنين، الذين امتنَّ الله عليهم بوفرة المال.

طبعًا حينما نفتح باب التبرُّعات يقول فلان: أنا أدفع مئة ألف, يقول زميله: أنا أدفع مئتين في ربع ساعةٍ أو أقل, يجتمع ستة أو سبعة ملايين، وفي العام الماضي ارتأت إدارة الحفل أن توزع على الأخوة المدعوين استمارة ورقية، كل واحد يكتب كم يتبرَّع من دون إعلام, فكان المبلغ ثمانمئة ألف، فالفرق واضح جدًا، والإنسان أحيانًا يندفع للعمل الصالح بدافع الغيرة، هذه غيرة لصالح الإنسان.

أنا أؤكد لكم: أنه ما من واحد من الأخوة الحاضرين، إلا اندفع إلى عملٍ صالح، أو إلى طاعةٍ لله، أو إلى إقبالٍ على الله، أو إلى تفوقٍ في العلم, بدافع غيرةٍ أصابته من أخٍ قريبٍ له، صديقٍ، جار، فالغيرة خصيصة من خصائص النفس البشرية حيادية, إن استخدمتها في أمر الآخرة, كانت سلَّمًا ترقى به، وإن استخدمتها في أمر الدنيا, كانت دركاتٍ تهوي بها، فإذا غرت من أخيك في جمع المال، ونافسته في جمع المال، وضيَّعت دينك وآخرتك, كانت هذه الغيرة في غير موضعها, قال تعالى:

{يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَد}

[سورة البلد الآية: 6 - 7]

{وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}

[سورة الزخرف الآية: 32]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت