كنت قد بيَّنت فيما تقدّم أنّ القاعدة الفقهية قضيةٌ كلية، تَعبِّر عن حكْم عامّ، يُتعرَّف بها أحكامُ الجزئيات التي يَتحقّق فيها مناطُ هذا الحكم العامِّ، وهذه السِّمَةُ الكلية التي تتَّصف بها القاعدة الفقهية؛ نجدها متحقِّقة في القاعدة المقصدية، بل هي إحدى أهمِّ خصائصها، ولا غَرْوَ في ذلك؛ لأنَّ من سمات القاعدةِ أن تكونَ كليَّةً في تناولها للجزئيات الداخلة تحت موضوعها، وإلا لم تستحقَّ وصفَها بالقاعدة، ويُقصد بالكلية أنها لا تختصُّ بشخص دون شخص، ولا بحال دون حال، ولا بموضوع دون موضوع؛ أي عامَّة [1] [24] .
والأمر الآخر الذي يجمع بين القاعدة الفقهية والقاعدة المقصدية؛ أنَّ غايتَهما النهائيةِ واحدةٌ، وهى الوقوف على حُكْم الشارع في الوقائع والمستجدّات وفق ما أراده الشارع وابتغاه، فكِلاَ القاعدتين في النهاية وسائلُ تسعف المجتهد؛ لِتَبَيُّنِ الحكمِ الشرعيِّ الذي خاطب به الله تعالى المكلَّفين فيما لا نصَّ فيه بعينه.
فالغاية النهائية من القاعدة الفقهية التالية:"المشقَّة تجلب التيسير" [2] [25] مثلا متَّفِقةٌ مع القاعدة المقصدية:"لا يَقصدُ الشارعُ التكليفَ بالشاقِّ من الأعمال" [3] [26] ؛ ذلك أنّ كلاًّ من هاتين القاعدتين تؤول في منتهاها إلى إعانة المجتهد أو الفقيه لمعرفة الحكم الشرعي فيما يتحقّق فيه مناطها، والكشف عنه. هذا هو وجه الصلة بين القاعدة المقصدية من جهة، والقاعدة الفقهية من جهة أخرى.
(1) [24] قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص 67.
(2) [25] 3/ 173, والسبكي: الأشباه والنظائر، 1/ 48 و السيوطى: الأشباه والنظائر، 76 وابن نجيم: الأشباه والنظائر، 75، الزركشي: المنثورُ من القواعد.
(3) [26] الشاطبي: الموافقات، 2/ 107.