في إحداهما، فما كان من الاكتساب محصِّلا لأحسن المصالح؛ فهو أفضل الأعمال، وما كان منها محصّلا لأقبح المفاسد؛ فهو أرذل الأعمال. فلا سعادةَ أصلحُ من العرفان والإيمان وطاعة الرحمن, ولا شقاوةَ أقبحُ من الجهل بالديَّان، والكفرِ، والفسوقِ، والعصيانِ [1] [136] .
وتنطلق هذه القاعدة من مبدأ سد الذرائع الذي يقضي بتحريم كلِّ الوسائل التي تؤدِّي إلى الفساد. قال ابن قيم الجوزية: ''لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها؛ كانت طُرقها وأسبابها تابعةً لها مقيَّدة بها، فوسائلُ المحرَّمات والمعاصي في كراهيتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها, ووسائلُ الطاعات والقربات في محبتها, والإذن بها بحسب إفضائها إلى غايتها, فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاها مقصود, لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل ..." [2] [137] ."
"إنّ الفعل إذا تضمّن مصلحةً مجرَّدة حصَّلناها، وإن تضمَّن مفسدة مجرَّدة درأناها، وإن تضمَّن مصلحةً من وجه ومفسدةً من وجه، فإن استوى في نظرنا تحصيلُ المصلحة ودفع المفسدة توقّفنا على المرجّح، وإن لم يستو ذلك بل ترجَّح أحد الأمرين - تحصيل المصلحة أو دفع المفسدة - فعلناهُ؛ إذ أن العملَ بالراجح متعيِّنٌ شرعا، وعلى هذا تتخرَّج جميع الأحكام عند تعارض المصالح والمفاسد فيها، أو عند تجريدها" [3] [138] .
يقول العز بن عبد السلام:"إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد؛ فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: فَاتَّقُوا"
(1) [136] انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام: للعز بن عبد السلام، 1/ 5.
(2) [137] إعلام الموقعين: ابن قيم الجوزية، 3/ 147.
(3) [138] شرح مختصر الروضة: للطوفي، 3/ 214، 215، تحقيق: د / عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة لبنان، ط الأولى، 1410 هـ.