فصل (15)
في بعض آداب الزكاة
قال في مختصر منهاج القاصدين: اعلم أن على مريد الزكاة وظائف:
الأولى: أن يفهم المراد من الزكاة، وهو ثلاثة أشياء: ابتلاء مدعي محبة الله تعالى بإخراج محبوبه، والتنزه عن صفة البخل المهلك، وشكر نعمة المال.
والوظيفة الثانية: الإسرار بإخراجها، لكونه أبعد عن الرياء والسمعة، وفي الأظهار إذلال للفقير، فمن خاف أن يتهم بعدم الإخراج أعطى من لا يبالي من الفقراء بالأخذ بين الجماعة علانية، وأعطى غيره سرًا.
والوظيفة الثالثة: أن لا يفسدها بالمن والأذى، وذلك أن الإنسان إذا رأى نفسه محسنا إلى الفقير منعمًا عليه بالإعطاء، ربما حصل منه ذلك، ولو حقق النظر لرأى أن الفقير محسن إليه بقبول حق الله الذي هو طهر له.
وإذا استحضر مع ذلك أن إخراجه للزكاة شكر لنعمة المال، فلا يبقى بينه وبين الفقير معاملة، ولا ينبغي أن يحتقر الفقير لفقره، لأن الفضل ليس بالمال ولا النقص بعدمه.
الرابعة: أن يستصغر العطية، فإن المستعظم للفعل معجب به، وقد قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث: بتصغيره وتعجيله وستره.
الخامسة: أن ينتقي من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه، أما الحل فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وأما الأجود فقد قال الله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] .
وينبغي أن يلاحظ في ذلك أمرين:
أحدهما: حق الله سبحانه وتعالى بالتعظيم له، فإنه أحق من اختير له، ولو أن الإنسان قدم إلى ضيفه طعامًا رديئًا لأوغر صدره.
والثاني: حق نفسه، فإن الذي يقدمه هو الذي يلقاه غدًا في القيامة، فينبغي أن يختار الأجود لنفسه.
وأما أحبه إليه فلقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل