فصل (16)
في آداب القابض للزكاة
لا بد أن يكون آخذ الزكاة من الأصناف الثمانية، وعليه في ذلك وظائف:
الأولى: أن يفهم أن الله تعالى أوجب صرف الزكاة إليه ليكفيه ما أهمه، ويجعل همه هما واحدا في طلب رضا الله عز وجل.
الثانية: أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه، ولكن ذلك بمقدار شكر السبب، فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، كما ورد في الحديث.
ومن تمام الشكر أن لا يحتقر العطاء، وإن قل، ولا يذمه، ويغطي ما فيه من عيب، وكما أن وظيفة المعطي الاستعظام، وكل ذلك لا يناقض روية النعمة من الله، فأما من لا يرى الواسطة واسطة فهو جاهل، وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا.
الوظيفة الثالثة: أن ينظر فيما يعطاه فإن لم يكن من حل لم يأخذه أصلا، لأن إخراج مال الغير ليس بزكاته، وإن كان من شبهة تورع عنه إلا أن يضيق عليه الأمر، فمن كان أكثر كسبه حرامًا فأخرج الزكاة ولم يعرف لما أخرج مالك معين. كانت الفتوى فيه أن يتصدق به، فيجوز لهذا الفقير أن يأخذ قدر حاجته عند ضيق الأمر عليه وعجزه عن الصافي.
الرابعة: أن يتوقى مواضع الشبه في قدر ما يأخذ القدر المباح له، ولا يأخذ أكثر من حاجته، فإن كان غارمًا لم يزد على مقدار الدين، أو غازيا لم يأخذ إلا مقدار ما يحتاج إليه في غزوه، وإن أخذ بالمسكنة أخذ قدر حاجته دون ما يستغني عنه، وكل ذلك موكول إلى اجتهاده، والورع ترك ما يريب.
واختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، والصحيح فيه أن يكون له كفاية على الدوام، إما من تجارة أو صناعة أو أجرة عقار أو غير ذلك.
وإن كان له بعض الكفاية أخذ ما يتمها، وإن لم يكن له ذلك أخذ ما يكفيه، وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفي سنة ولا يزيد على ذلك.