فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 581

أَخْبَرَ اللهُ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَأنَّه جاءهم نَبِيٌّ كَرِيمٌ موسى - عليه السَّلامُ - وأخوه هارون؛ جاءهم بالبشارةإن آمنوا، والنذارة إن كَفَرُوا، وَبَيَّنَ - تعالى - إنذارهما له في قولهتعالى: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّالْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} .

-ثانيًا: أنَّهم كذَّبوا بآيات الله؛ فقد أَيَّدَ اللهُ موسى وهارون بمعجزاتٍ كَثِيرَةٍ؛ وهي تِسْعُ آَيَاتٍ، وَمَعَ ذَلِكَ كَذَّبُوا بها كلِّها، فكذَّبوا بآياتِ الله، {وَعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيد} .

-الأمرُ الثَّالِثُ: بَعْدَإِقَامَةِ الحُجَّةِ عليهم وقد كذَّبوا بالآيات الَّتي مع الرُّسُلِ واستمرُّوا على عنادهم وكفرهم إلى آخر لَحْظَةٍ، وَجَبَ عليهم العذابُ.

قوله {كَذَّبُوابِآَيَاتِنَاكُلِّهَافَأَخَذْنَاهُمْأَخْذَعَزِيزٍمُقْتَدِرٍ}

فأخذهم اللهُأَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، فأخذهم بالغَرَقِ، فَصَارَتْأجسامُهم إلى الغَرَقِ، وأرواحُهم إلى الحَرْقِ، فلم يَبْقَ منهم مخبرٌ أو عينٌ أو أثرٌ، وأنجى الله موسى ومن آمن معه.

والعزيرُ أي: القَوِيَّ الَّذي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ فنالتهم عُقُوبَةُ العزيز الَّذي لا يُغْلَبُ، والمقتدرِ على كلِّ شَيْءٍ؛ فلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

وأهلكهم اللهُ جَمِيعًا رَغْمَ قوَّتهم وكثرتهم وثروتهم في لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.

قوله: {أَكُفَّارُكُمْخَيْرٌمِنْأُولَئِكُمْ} .

هذا إِنْذَارٌ لكفَّار قُرَيْشٍ قَبْلَ عذابهم؛ فقد ذَكَرَ اللهُ لهم ولنا هذه القَصَصَ الخَمْسَ، وانتهت هذه القصصُ الَّتي جاءت تِبَاعًا والَّتي تؤكِّد أنَّالله - سبحانه وتعالى - يُرْسِلُ الأنبياء، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ويَحِقُّ القَوْلُ على الكافرين.

وهذه القصصُ لها مِفْتَاحٌ، ومفتاحها: ليقول لنا أنَّنا إذا فعلنا مثلَ أَفْعَالِهِمْ، فَنَحْنُ هَالِكُونَ مِثْلَهُمْ.

والمعنى: «ليس كفَّارُكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ خَيْرًا ممَّن تقدَّمكم من الأمم الَّذين هلكوا بسبب كفرهم، وتكذيبهم، وإعراضهم» .فذكراللهثلاثة أسئلة لكفارقريش: السؤال الأول فيهذهالآية

هل كفَّارُ قُرَيْشٍأَقْوَى منهم، أو خَيْرٌ منهم، أو أَقْدَرُ منهم على النَّجاة من عذاب الله؟ الجواب: لا.

سؤالٌ ثَانٍ:

قوله: {أَمْلَكُمْبَرَاءَةٌفِيالزُّبُرِ} .

هل مَعَكُمْ أو عِنْدَكُمْ بَرَاءَةٌ من عذاب الله في الكتب السَّابقة عُهِدَ به إليكم ألاَّ يُعَذِّبَكُمْ؟

والسُّؤالُ الثَّالثُ: قولُه: {أَمْيَقُولُونَنَحْنُجَمِيعٌمُنْتَصِرٌ} .

أم تقولون: ما أَحَدٌ يَهْزِمُنَا أبدًا.

أي: يعتقدون أنَّجَمْعَهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِمَّنْأَرَادَهُمْ بِسُوءٍ؛ لأنَّ الكافرَ إذا رأى حوله جَمْعًا غفيرًا قد يَغْتَرُّ بما هو فيه. فيتَّبع الغفلة والتَّمرُّد والكفر وما يندرج تَحْتَهُ من المعاصي.

وفيها أنَّالإنسانَ لا يغترُّ بِكَثْرَةِ المنحرفين حَوْلَهُ، ولا بكثرة المعاصي؛ فإنَّهم لا يُعْجِزُونَ الله.

وجاء الجوابُ من الله وهو وَعْدٌ منه وهم في إبَّان قُوَّتِهِمْ وجبروتهم؛ أخبر بأنهم سَيُهْزَمُونَ كما في قوله: {سَيُهْزَمُالْجَمْعُوَيُوَلُّونَالدُّبُرَ} .

أي: سَيُهْزَمُ جَمْعُ كفَّارِ «مكَّة» أمام المؤمنين، ويولُّون الأدبار، وقد حَدَثَ هذا يَوْمَ «بَدْرٍ» حينما خرجوا بقضِّهم، وقضيضهم، ورؤسائهم، وجبروتهم، والمسلمون عَدَدٌ قَلِيلٌ؛ ثلاثُمِائَةٍ وَبِضْعَ عَشَرَ، وهم يَزِيدُونَ على الألف، فَقُتِلَ منهم سبعون من رؤسائهم، وأُسِرَ منهم سبعون، وَتَحَقَّقَ وَعْدُ الله.

وهذا من أدلَّة النُّبوَّة؛ فقد هُزِمُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وقُتِلَ زُعَمَاءُ الكفر.

أخرج ابنُ جَرِيرٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: قالوا يَوْمَ بَدْرٍ: «نحن جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ» . فنزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت