سورة الواقعة، والمراد بها هي القيامة، وسمِّيَتْبذلك؛ لأنَّها تقع فيها الأهوالُ.
فَمِنْأسماء يَوْمِ القيامة الوَاقِعَةُ، ويومُ القيامةِ له أسماءٌ كَثِيرةٌ، وتعدُّدُأسمائه لِتَعُدِّدِ صِفَاتِهِ.
وسمِّيت بالواقعة باعتبار أنَّوُقُوعَهَا كَائِنٌ لا مَحَالَةَ، ومتحقِّقٌ كونُها ووجودُها، وَتَسْمِيَةُ السُّوَرِ اجتهاديٌّ، ليس توقيفيًّا. لهذا تجد لكلِّ سُورَةٍ أَكْثَرَ مِنَ اسْمٍ.
أئمَّةُ المفسِّرين يذكرون في صَدْرِ كلِّ سورةٍ فَضْلَهَا، أو سُنَّةَ قراءتها في الصَّلاة، أو غيرها.
أخرج ابنُ عساكرٍ بِسَنَدِهِ قال: مَرِضَ عبدُ الله بن مسعودٍ مَرَضَهُ الَّذي تُوُفِّيَ فيه، فعاده عثمانُ بْنِ عفَّانَ فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رَحْمَةَ ربِّي. قال: ألا آمر لك بطبيبٍ؟ قال: الطَّبيبُ أمرضني.
قال: ألا آَمُرُ لك بعطاءٍ؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: يكون لبناتك من بعدك؟ قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إنِّي أمرتُ بناتي يَقْرَأْنَ كلَّ ليلةٍ سورةَ الواقعة، إنِّي سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الوَاقِعَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا» . ضعيف.
إِنْ صَحَّ الحديثُ فحاصلُه أنَّابْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - طَلَبَ مِنْ عُثْمَانَ حَالَ صِحَّتِهِ عَطَاءً، فلمَّا مرض، زاره عُثْمَانُ فقال: نأمر لك بعطاءٍ؟ فقال: لا حَاجَةَ لي فيه. وذكر الحديث.
والفَاقَةُ هي الفَقْرُ، والفقرُ نوعان: فَقْرُ القلب، وفقر اليد. وتكرارُ قراءتها يَطْرِدُ سُوءَ الظَّنِّ بالله، ويقوِّي اليقينَ وصدقَ التَّوكُّل على الله؛ فَمَنْأَيْقَنَ بهذه السُّورة وَصَدَقَ اليقينَ - لا مجرَّد التِّلاوة - لم تُصِبْهُ فَاقَةٌ.
وسببُ التَّوكُّل أن يكرِّرها؛ لأنَّه ليس كلُّ النَّاس يُدْرِكُونَ الأمرَ من أوَّل القراءة أو السَّماع؛ فتكريرُ هذه السُّورة كلَّ لَيْلَةٍ يُرَسِّخُ هذه الأصولَ.
فهذه السُّورةُالجليلة العظيمة تتحدَّث عن عِدَّةِأُمُورٍ؛ افْتُتِحَتِ السُّورةُ بالحديثعن أهوال يوم القيامة الكبرى وما يحدث فيها، وعن أقسام النَّاس في هذا اليوم.
وبيَّن- تعالى - جزاء السَّابقين وجزاء الأبرار أصحاب اليمين، ثمَّ ذَكَرَ جزاءَ أصحاب الشِّمال، ثمَّ تكذيب المشركين للبعث بعد الموت واستبعادهم لذلك.
أَتْبَعَ ذلك بالحديث عن كيفيَّة خَلْقِ الإنسان، وَذِكْرِ بدايته، وكيف يَسَّرَ له أسبابَ الرِّزق فيها، ثمَّ ذَكَرَ الأدلَّة الدَّالَّةَ على وحدانيَّته وَقُدْرَتِهِ، والَّتي فيها تَقْرِيرُ قدرة الله على البعث بعد الموت.
وَذَكَرَأربعةَ آياتٍ؛ آَيَةَ الخَلْقِ للإنسان، ثمَّ ذَكَرَ آَيَةًأُخْرَى الزَّرْعَ، ثمَّ ذكر آية الماء، ثمَّ ذكر آية النَّار، جعلها تذكرةً ومتاعًا للمُقْوِينَ.
ثمَّ بَيَّنَ اللهُ سَنَدَ القرآن وتنزُّلَه وانقسامَ النَّاس فيه، وأنَّ القرآنَ كلامُ الله، كَتَبَهُ في اللَّوْحِ المحفوظ، ثمَّ أوحاهإلى جِبْرِيلَ - عليه السلام -، ثمَّ عَلَّمَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - نَبِيَّنَا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ نبيُّنا محمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَأُمَّتَهُ، والأُمَّةُ يعلِّم بعضُها بَعْضًا.
ثمَّ خُتِمَتِ السُّوَرُ بأهوال القيامة الصُّغرى، فَذَكَرَ اللهُ في هذه السُّورة القيامتين؛ القِيَامَةَ الكبرى في أوَّلها، والقيامةَ الصُّغْرَى في آخرها، وهي الموتُ وانقسامُ النَّاس فيها إلى ثلاثة أَحْوَالٍ، فذكر حالَ المقرَّبين، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشِّمال، وأكَّد ذلك بأنَّه حقُّ اليقين، وهي أَحْوَالُ الموتى عند الاحتضار.
قوله: {إِذَا وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ} .
أي: قَامَتِ القيامةُ. وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ وقوعَها كَائِنٌ لا مَحَالَةَ باعتبار أنَّها تَقَعُ، وأنَّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ.
«إذا» أَدَاةُ شَرْطٍ غَيْرُ جَازِمَةٍ، ولها جَوَابُ شَرْطٍ.
قوله: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبة} .