فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 581

سورة الطُّور. سُمِّيَتْبذلك لأنَّ اللهَ - تعالى - بَدَأَ هذه السُّورةَ الكَرِيمَةَ بالقَسَمِ بِجَبَلِ الطُّورِ الَّذي كلَّم اللهُ - تعالى - عليه موساعليه السَّلامُ.

وهذه السورة الجليلة العظيمة تتحدَّث عن عِدَّةِ أُمُورٍ. استفتح اللهُ هذه السُّورةَ في أوَّلها بالقَسَمِ بِسِتَّةِ أُمُورٍ، كلُّها دالَّةٌ على قدرته وعظمته، وعلى أنَّ العَذَابَ الَّذي يكذِّب به المجرمون وَاقِعٌ وَكَائِنٌ لا مَحَالَةَ.

ثمَّ بيَّن- سبحانه - جزاءَ المكذِّبين، وما أعدَّ لهم من العذاب، وَحُسْنَ عَاقِبَةِ المتَّقين، وما أعدَّ لهم من النَّعيم.

ثمَّ خُتِمَتِ السُّورةُ بالإلزامات العظيمة الَّتي ألزم اللهُ بها قريشًا. كلُّ هذا مِنْ أَجْلِ إقامة الحُجَّةِ عليهم.

ثم أَمَرَ - سبحانه - نَبِيَّهُ بالصَّبر، والاستمرار في الدَّعوة، والاستعانة بالتَّسبيح، وقيام اللَّيل، حتَّى ينصرَه اللهُ وَيُعِينَهُ.

بدايةً هذه السُّورة كان نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقْرَأُ بها كثيرًا في صلاته.

وجبيرُ بن مطعمٍ قال: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأُ في المغربِ بالطُّورِ، فلمَّا بلغَ هذه الآية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ} كادَ قلبِي أنْ يطيرَ". رواه البخاري و النسائي و ابن ماجه، مع أنَّه كان في ذلك الوقت مشرك لأنَّه دخل المدينة بعد غزوة بدر وكان كافرًا، جَاءَ مِنْ أَجْلِ فِكَاكِ الأُسْرَى، فسمع رسولَ الله يقرأ هذه الآيات في صلاة المغرب."

فلمَّا سمع هذه الآيات والالزمات المحيِّرة والملزمة المُفْحِمَة تحيَّر، فكاد قلبُه ينصدع، ثمّأَسْلَمَ بَعْدَهَا، وَحَسُنَ إسلامُه.

وأمُّ سَلَمَةَ قالت: شكوتُ إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنِّي أشتكي.

فقال: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» . فطُفْتُ ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يصلِّي إلى جنب البيت، يقرأ بالطُّور وكتابٍ مسطورٍ". متفق عليه."

وقرأ صَدْرَ سُورَةِ الطُّور مالكُ بْنِ دِينَارٍ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ.

قوله: {وَالطُّورِ} .

أَقْسَمَ-سبحانه - بِجَبَلِ الطُّور الَّذي كلَّم اللهُ موسى عليه، وسمَّيت هذه السُّورةَ بهذا الجَبَلِ العَظِيمِ، فصار لهذا الجَبَلِ عَظَمَةً بسبب نزول الوَحْيِ عليه، حينما كلَّم اللهُ موساعليه، فأقسم اللهُ به، وأصبح مقدَّسًا ومعظَّمًا؛ فهذا المكان أَخَذَ فَضِيلَةً على غيره.

فعلى سبيل المثال اذا حفظ الإنسانُ القرآنَ، صار له فَضِيلَةٌ على غيره، وأيضًا هذا الجَبَلُ حَصَلَ عليه حَدَثٌ عَظِيمٌ حينما تجلَّت الذَّاتُ العَلِيَّةُ للجبل فَجَعَلَهُ دَكًّا؛ فاندكَّ لِعَظَمَةِ الله.

وأيضًا هذا الجبل رَفَعَهُ اللهُ على رءوس اليهود، كأنَّه ظُلَّةٌ، فأقسم اللهُ بِجَبَلِ الطُّورِ تعظيمًا لهذا الجبل.

ولا يُقْسِمُ - سبحانه - إلاَّ بِعَظِيمٍ، والخالقُ - سبحانه - له أن يُقْسِمَ بِمَا يشاء، ولا يجوز للمخلوق أن يُقْسِمَ إلاَّ بالله؛ لأنَّ الحَلِفَ تَعْظِيمٌ للمحلوف به، والعَبْدُ لا يجوز لهأن يعظِّم إلاَّ الله؛ لأنَّ التَّعظيمَ حقٌّ لله.

اللهُ خَلَقَ الجِبَالَ، وَفَرَّقَهَا في الأرض، وَفَضَّلَ بَعْضَهَا على بَعْضٍ؛ فربُّك يخلق ما يشاء ويختار.

وهذه الجبالُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَوْدَعَ فيها من المنافع ما أَوْدَعَ، وتوعَّدها يومَ القيامة بأنَّه يَنْسِفُهَا نَسْفًا.

قوله: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} .

قيل: إنَّه اللَّوحُ المَحْفُوظُ. وقيل: الكتب الأربعة؛ التَّوراةُ والإنجيلُ والزَّبورُ والقرآنُ. وقيل: إنَّه القرآنُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت