للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «سَلُوهُ لِأَيِّشَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: «لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْأَقْرَأَ بِهَا» . فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» .
تمَّت ولله الحَمْدُ والمِنَّةُ.
اللَّهُمَّ احْشُرْنَا في زُمْرَةِ العَالِمِينَ بِكَ؛ العاملين لك؛ الرَّاجين لثوابك؛ الخائفين من عقابك؛ المؤمنين بلقائك، القانعين بعطائك، الرَّاضين بقضائك.
سبب تسميتها بذلك؛ لافتتاحها بالاستعاذة بربِّ الفَلَقِ.
والفَلَقُ: هُوَ الصُّبْحُ، وَيَجُوزُأن يكون أَعَمَّ من ذلك.
هذه السُّورَةُ الجليلةُ العظيمةُ تتحدَّث عنالاستعاذة من شرور المخلوقات كلِّها.
ويدخل فيها النَّفْسُ البشريَّة، ُ وكلُّ ما هو ضارٌّ، ثمَّ خَصَّصَ ثلاثةَ شرورٍ مع اندراجها في الشَّرِّ العامِّ؛ لِعِظَمِ خَطَرِهَا، وَعُسْرِ الاحتياط منها، وشدَّة الحاجة إلى الاستعاذة منها على وجه الخصوص.
وهذه المعوِّذاتُ قال عنها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَا تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا» رواه أبو داوود. فَفِيهِمَا دَفْعٌ للشُّرورِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَرَفْعٌ للشُّرور بعد وقوعها.
وكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانِّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا أخذ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. رواه التِّرمذيُّ، وصحَّحه الألبانيُّ.
وكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اشْتَكَى يَقْرَأُ على نفسِهِ بالمُعَوِّذَاتِ ويَنْفُثُ. قالَتْ: فلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُه كُنْتُ أنا أَقْرَأُ عليه وأَمْسَحُ عليه بِيَمِينِهِ؛ رَجَاءَ بَرَكَتِه. «مُوَطَّأُ مَالِكٍ» .
وفي الْبُخَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي المَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ. وكان إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ، جَمَعَ كَفَّيْهِ وَقَرَأَ فِيهِمَا وَمَسَحَ بهما سَائِرَ جَسَدِهِ.
وهذا دَفْعٌ للشَّرِّ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وكان يأمر بقراءتها بعد كلِّ صلاةٍ، وتكرَّر في المغرب والفجر ثلاثًا.
وخرج الصَّحَابَةُ في ظلمةٍ شديدةٍ، فقرأ بِقُلْ هو الله أَحَدٌ والمعوِّذتين.
عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَا أنا أَسِيرُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الجحفة وأبواء إذ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فجعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوَّذ: {قُلْ أعوذبِرَبِّ الْفَلَق} ، و: {قُلْ أعوذبِرَبِّ النَّاس} ، ويقول: «يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» ، وقال: وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بهما في الصَّلاة. رواه أبو داودٍ وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ.
هذه السُّورةُ الحِكْمَةُ فيها الاستعاذةُ بالله من الشُّرور كلِّها، وضمَّت معها {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} تَوَسُّلٌإلى الله بتوحيده في قبول الدُّعاء بهاتين السُّورتين.
والنَّاسُ غافلون عن فوائدها، والتَّداوي بها؛ دفعًا ورفعًا لجميع الشُّرور.
قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} : الخطابُ مُوَجَّهٌ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأُمَّتُهُ تَبَعٌ له.
وقد سَأَلَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍالنَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم: لماذا {قُلْ أَعُوذُ} وليس: «أَعُوذُ» ؟ فقال: «قَالَ لِي رَبِّي قُلْ فَقُلْتُ» البخاري.
لِحِكْمَةٍ: وهي لِيُعَلِّمَ النَّاسَأنَّه مُبَلِّغٌ عن الله؛ فلم يُسْقِطْأمرًا من أوامر الله.
قوله: {أَعُوذُ} .أَيْأَلْتَجِئُ، وَأَعْتَصِمُ، وَأَتَحَرَّزُ، وَأَتَحَصَّنُ بالله.
الاستعاذةُ: هي اللُّجوءُ إلى الله، والاحتماءُ به.
وحقيقةُ الاستعاذة ما يَقُومُ بِقَلْبِ المؤمن من الالتجاء، والاعتصام، والانطراح بين يدي الرَّبِّ، والتَّذَلُّلِ له.
وفي الحديث: «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ» رواه أحمد و النسائي و أبو داوود.