بِنْتُ الجون لَمَّا قالت للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُبِاللهِ مِنْكَ» . قَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ .. إِلْحَقِي بِأَهْلِكِ» رواه البخاري و أبو داوود.
والاستعاذةُ ثلاثة أقسامٍ: مُسْتَعِيذٌ وهو الإنسانُ، ومستعاذٌ به، وهو الله، ومستعاذٌ منه، وهو جميع الشُّرور.
وَيَدْخُلُ فيها النَّفْسُ وكلُّ ما هو ضَارٌّ .. وهي أربعةٌ: الشَّرُّ العامُّ، وَشَرُّ الغاسق، وَشَرُّ السَّاحر، وَشَرُّ الحاسد.
وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِغَيْرِ الله؛ فقد أشرك؛ لأنَّ الاستعاذةَ عِبَادَةٌ.
وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْأَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ» رواه أبو داوود و ابن حبان و الحاكم و قال: صحيح على شرط مسلم، و وافقه الذهبي، و صححه الألباني.
وجاء لفظُ الجلالة في الاستعاذة بالله من الشَّيطان في تلاوة القرآن؛ لأنَّ المَقَامَ مَقَامُ عِبَادَةٍ، واللهُ المَأْلُوهُ المعبودُ، والعبادةُ يتناسب معها لفظُ الجلالة الله.
أمَّا الاستعاذةُ بالرُّبوبيَّة، فَلِأَنَّ المقامَ مَقَامُ اسْتِعَاذَةٍ، واستعانةٍ من شَرِّ المخلوقات الَّتي هو ربُّها.
قوله: {الفَلَقِ} :قيل إنَّه الصُّبْحُ والنُّورُ.
ويجوز أَنْ يَكُونَأَعَمَّ من ذلك؛ فَيَعُمَّ جَمِيعَ المخلوقات؛ {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} والحَبَّ والنَّوى.
وفالقُ الكائنات، وفالق البحر لموسى، فَأَمَرَ عبادَه أن يستعيذوا بربِّ النُّور الَّذي يقهر الظُّلْمَةَ وجيوشَها.
قوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} : أَيْ مِنْ شَرِّ جَمِيعِ المخلوقات، ومنها نفسُه الَّتي بين جَنْبَيْهِ.
فاستعاذ بالله من جميع الشُّرور، وكلِّ ما هو ضَارٌّ من مخلوقاته كلِّها؛ فالاستعاذةُ تَعُمُّ شَرَّ كلِّ مَخْلُوقٍ فِيهِ شَرٌّ.
المستعاذُ منه الأوَّلُ الشَّرُّ العامُّ، وهو كلُّ شَرٍّ خَلَقَهُ اللهُ في العالم؛ فَأَنْتَ تَلْتَجِئُ إلى اللهِأَنْ يَقِيَكَ جَمِيعَ الشُّرُورِ ومسبِّباتها، فما حُفِظَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ طاعة الله، ولا حُصِّلَتْ زِيَادَةٌ بمثل شُكْرِهِ، ولا زالت نِعْمَةٌ بمثل معصية الرَّبِّ؛ ولذلك استعاذ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - باللهِ مِنْ شُرُورِأَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِأَعْمَالِنَا.
فَمَنْشَأُ الأعمال السَّيِّئَةِ من شَرِّ النَّفْسِ، وَشَرُّ النَّفْسِيَتَوَلَّدُ منه الأعمالُ السَّيِّئَةُ، وهذان جِمَاعُ الشَّرِّ؛ فَمَتَى عُوفِيَ منهما، عُوفِيَ مِنَ الشَّرِّ بِحَذَافِيرِهِ.
وعن ابن عُمَرَ كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قال: «يا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ ما فيكِ وَشَرِّ ما خُلِقَ فِيكِ وَشَرِّ ما يدبُّ عليكِ، وأعوذ بالله من شَرِّ أسدٍ» رواه النسائي و أبو داوود و حسنه ابن حجر في تخريجه لمشكاة المصابيح.
قوله: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} : أَمَرَهُأن يستعيذ بالله من شرِّ الظُّلْمَةِ، وما يَحْدُثُ فِيهَا.
فَفُسِّرَ الغَاسِقُ باللَّيْلِإذا أَقْبَلَ بِظَلامِهِ مِنَ المَشْرِقِ.
{وَقَبَ} أَيْ: أَقْبَلَ وَدَخَلَ. والوقوبُ: هو الدُّخولُ؛ فاللَّيْلُ إذا دخل بظلامه غَاسِقٌ، وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنَّه غَاسِقٌ، ولا يكون ذلك إلاَّ باللَّيل.
وفي الحديث: «هَذَا هُوَ الغَاسِقُإِذَا وَقَبَ» رواه أحمد و الترمذي و النسائي. وَقِيلَ: الغَاسِقُ قَوْلٌآَخَرُ بأنَّهُ البَرْدُ، واللَّيْلُأَبْرَدُ مِنَ النَّهَارِ.
وَلِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ {غَسَّاقًا} الزَّمْهَرِيرَ، ولا تَنَافِيَ بَيْنَ القولين؛ فاللَّيْلُ بَارِدٌ وَمُظْلِمٌ، ومع أنَّ اللهَ جَعَلَ اللَّيْلَ لِسُكُونِ الآدميِّينَ وَرَاحَتِهِمْ، لكن اللَّيْلُ مَحَلُّ سُلْطَانِ الأرواح الشِّرِّيرة، وَوَقْتٌ لانتشار شياطين الإنس والجنِّ.
ففي الخَبَرِ: «إِنَّ الشَّمْسَإِذَا غَرَبَتِ انْتَشَرَتِ الشَّيَاطِينُ» . رَوَاهُ البخاريُّ.
فَأَهْلُ الشُّرُورِ ما يعملون إلاَّ في اللَّيْلِ، واللَّيْلُ يَسْتُرُهُمْ وَيُغَطِّيهِم.
فالشَّرُّ دَائِمًا مَقْرُونٌ بالظُّلْمَةِ.
ولمَّا سُئِلَ مُسَيْلِمَةُ كيف يأتيك الَّذي يأتيك؟ قال: «فِي ظَلْمَاءِ حندسٍ» . فَدَلَّأنَّهُ شَيْطَانٌ.
وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ يَأْتِيكَ؟ فقال: «مِثْلَ ضَوْءِ النَّهَارِ» . فَدَلَّأنَّه مَلَكٌ.