فلا اتِّصَالَ فَوْقَ اتِّصَالِ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ والزَّوْجِيَّةِ، ولم يُغْنِ نُوحٌ عن ابنه، ولا إبراهيمُ عن أبيه، ولا نوحٌ ولوطٌ عن امرأتيهما من الله شيئًا.
قال تعالى: {لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} .
كما إنَّاتِّصَالَ المؤمن بالكافر لا يضرُّه شيئًا إذا فارقه في كفره وعمله؛ فلم يضرَّ امرأةَ فِرْعَوْنَ اتِّصَالُهَا به، وهو أكفرُ الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتِّصالُهما بهما، وهما رسولا ربِّ العالمين.
قوله: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} : قال ابنُ كثيرٍ: «وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ من ساداتِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وهي أمُّ جَمِيلٍ، واسمُها أَرْوَى بنتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وهي أختُ أَبِي سفيانَ وَعَمَّةُ مُعَاوِيَةَ، وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده» .
وكانت هذه المرأةُ حَرْبًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكَّة، وتؤذيه أَشَدَّ الإيذاء، وتسمِّيه مُذَمَّمًا.
ومعناها كانت تَجْمَعُ الحَطَبَ فَتُلْقِيَهُ في طريق النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
عن أسماء بنت أبي بكرٍ قالت: لمَّا نزلت: {تَبِّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} أَقْبَلَتِ العَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ، ولها وَلْوَلَةٌ، وفي يدها فهرٌ، وهي تقول: مذمَّمًا أَبَيْنَا، وَدِينَهُ قَلَيْنَا، وأمرَه عصينا، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جالسٌ في المسجد ومعه أبو بكرٍ، فلمَّا رآها أبو بكر قال: يا رسولَ الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك.
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي» . فأقبلت حتَّى وقفت على أبي بكرٍ ولم تَرَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا أبا بكرٍ، إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي؟ قال: لا وربِّ هذا البيت ما هجاك. فولَّت وهي تقول: قد عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي ابنةُ سَيِّدِهَا.
زاد البَزَّارُ: «فَلَمَّا وَلَّتْ قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: ما رَأَتْكَ؟ قال: «لَا، مَا زَالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي حَتَّى وَلَّتْ» .
وقيل: {حَمَّالَةَ الحَطَبِ} تَمْشِي بالنَّمِيمَةِ.
وهي بالفعل كذلك، كانت تفعل هذا وهذا.
والرَّجُلُ والمرأةُ اتَّفَقَا على معاداة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتشابهت قلوبُهم، واجتمعا على الكفر والصَّدِّ والبُغْضِ، وربَّما لو صلح أحدُهما، لَصَلُحَ الآَخَرُ، فلمَّا اتَّفقا على الشَّرِّ، هَلَكَا، وَتَعَاوَنَا على الكفر.
وكذلك الأَبَوَانِ؛ إذا اجتمعا على الكفر، كانا سببًا في هلاك الأبناء. «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» متفق عليه.
وَرُبَّمَا لَوْ صَلُحَأَحَدُهُمَا، لَصَلَحَتِ الذُّرِّيَّةُ.
وَكَمْ مِنْإنسانٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَاسِدَةً كانت سببًا في هلاكه؟ والعكس بالعكس. والمرءُ على دين خَلِيلِهِ.
ذَكَرَ الله في القرآن المرأةَ الكافرةَ الَّتي لها صِلَةٌ بالرَّجل الصَّالح لا تنفعها صِلَتُهَاوَسَبَبُهُا.
والمرأةُ الصَّالِحَةُ الَّتي لها صِلَةٌ بالرَّجل الكافر لا تضرُّها صِلَتُهَا وَسَبَبُهَا، والمرأةُ الَّتي لا زَوْجَ لَهَا؛ لا مُؤْمِنَ وَلا كَافِرَ، لا يضرُّها عَدَمُ الوصلة شيئًا.
قوله: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} :الجِيدُ: العُنُقُ، والحَبْلُ. مَعْرُوفٌ، والمَسَدُ: اللِّيفُ؛ من النَّخْلِ.
لَكِنِ المُرَادُ به حَبْلٌ من النَّار؛ فَجَمَعَ اللهُ لَهُمَا مِنْأَنْوَاعِ العَذَابِ؛ لأنَّهُمَا كَانَا يُؤْذِيَانِ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -.
هَذَا مَصِيرُ كُلِّ مَنْآَذَى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَتَنَقَّصَ جَنَابَهُ، سَيَلْقَى نفسَ المصير، فكلُّ من تناول جنابَه - صلى الله عليه وسلم - فله نَصِيبٌ من هذا الذَّمِّ والوعيد.
سُمِّيَتْ بذلك؛ لما فيها من التَّوْحِيدِ؛ لأنَّها أَخْلَصَتِ الخَبَرَ عن الله وعن أسمائه وصفاته، وخلَّصت قارئها من الشِّرك العلميَّ.