قوله: {فَادْخُلِيفِيعِبَادِي} :أي في جُمْلَةِ عبادي الصَّالحين.
قوله: {وَادْخُلِيجَنَّتِي} :النَّفْسُ المطمئنَّةُ تَخْرُجُ من الدُّنيا إلى الجنَّة؛ بسبب أنَّه ضَبَطَ نفسَه وانتصر عليها، فانتصر على أعدائه كلِّها، والنَّفْسُ الأمَّارَةُ تَخْرُجُ من الدُّنيا إلى النَّار؛ لأنَّ نَفْسَهُ وَشَهْوَتَهُ غَلَبَتْ عَقْلَهُ، واستولت عليه.
يُقَالُ عند الاحتضار لها، ويقال يوم القيامة لها أيضًا، فهناك البشارتان؛ عند الموت، وعند القيام من القبر.
سبحان الله! هؤلاء يُدْعَوْنَ إلى دخول الجنَّة، وَتَبْرُزُ لهم الجنَّةُ، وَتَقْتَرِبُ منهم، والدُّخولُ {فِي عِبَادِي} أو بَيْنَ عبادي؛ أَيْ: خواصِّي في الجنَّة، وأولئك يُدْعَوْنَ إلى النَّارِ، وَتَبْرُزُ لهم النَّارُ.
فَفَرْقٌ بين الجزاءَيْنِ ختامًا {يَاأَيَّتُهَاالنَّفْسُالْمُطْمَئِنَّةُ} بالإيمان والدِّين، ورجاءِ ثواب الله، هذه البشارةُ يَصْبِرُ لها الصَّابرون، ويرجوها العاملون، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
اللَّهمَّ أَحْسِنْ خَاتِمَتَنَا يا ربَّ العالمين.
سَبَبُ تَسْمِيَتِهَا بذلك؛ لأنَّها افْتُتِحَتْ بذلك، والمراد بالبلد مَكَّةُ.
وهذه السُّورةُ الجَلِيلَةُ العظيمةُ تتحدَّث عن عِدَّةِأُمُورٍ:
ابتدأت السُّورةُ الكريمةُ بالقَسَمِ بالبلد الحَرَامِ، وعن أعظم وأفضل مَنْ سَكَنَ البلدَ الحرام نبيِّنا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - تعظيمًا لِشَأْنِه، ِ وتكريمًا لِمَقَامِهِ الرَّفيع عند ربِّه، وأيضًا أَقْسَمَ بساكنيه من المؤمنين على أنَّه خَلَقَ الإنسانَ في كَبَدٍ.
ثمَّ تحدَّثت السُّورةُ عن بعض كفَّار مكَّة الَّذين اغترُّوا بقوَّتهم، فعاندوا الحقَّ، وكذَّبوا رسولَ الله، وأنفقوا أموالَهم في المفاخرة، وفي الباطل والشَّهوات، وفي أغراضهم، فكان هلاكًا لهم.
ثمَّ تناولت أَهْوَالَ القيامة وشدائدَها، وأنَّ بَيْنَ يَدَيِ الإنسان في الآخرة مَكَانًا شَاقًّا وكؤودًا يقتحمه النَّاسُ، حتَّى يصلواإلى الجنَّة.
واقتحامُ هذا المكان لايكون إلاَّ بطاعةِ الله مع الإيمان، ثمَّ خُتِمَتِ السُّورةُ الكريمةُ بالتَّفْرِيقِ بين المؤمنين والكفَّار، وَذِكْرِ مَآَلِ المؤمنين ومآل الكافرين.
قوله: {لاأُقْسِمُبِهَذَاالْبَلَدِ} :أَقْسَمَ اللهُ بثلاثة أشياء، واللهُ لا يُقْسِمُ إلاَّ بِعَظِيمٍ.
«لا» نَافِيَةٌ وَزَائِدَةٌ للتَّأْكِيدِ، والأصلُ: أُقْسِمُ بهذا البلد.
اتَّفق المفسِّرون على أنَّ المرادَ بالبلد مكَّةُ؛ أي أَحْلِفُ بهذا البلد، وأقسم بالبلد الحَرَامِ؛ تنويهًا على عظمتها ومكانتها عند الله، وعند خَلْقِهِ؛ فَمَرْجِعُ البلاد إلى مكَّة؛ لأنَّه أَصْلُهَا، ولأنَّها خِيرَةُ الله من أرضه، وأحبُّ البلاد إليه.
وقد خصَّ اللهُ الحَرَمَ بخصائص عظيمةٍ؛ جَعَلَهُ قِبْلَةً للمسلمين، وَجَعَلَ قَصْدَهُ ركنًا من أركان الحجِّ، وَجَعَلَ الصَّلاة فيه بمائة ألف صلاةٍ.
وهذا لِعِظَمِ مكانته عند الله، عَظَّمَ فيه الحسنات، وعظَّم فيه السَّيِّئات؛ فَمَنْ همَّ فيه بسيئةٍ عَرَّضَ نفسَه لعقوبةٍ عظيمةٍ؛ فَكَيْفَ بمن ارتكب فيه المعاصي، وَتَرَكَ الفرائضَ، وَوَقَعَ في الفواحش؟
إنَّ أَكْثَرَ من يعصي اللهَ في الحرم ما يعرفون حُرْمَةَ الحَرَمِ الَّذي اجتمعت فيه الحرماتُ كلُّها.
سكنى مكَّة فيها خيراتٌ وبركاتٌ وترجماتٌ، وأكثرُ فضائلها دينيَّةٌ، وفيها بركاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ.
قوله: {وَأَنْتَحِلٌّبِهَذَاالْبَلَدِ} : اختلف المفسِّرون على أقوالٍأقواها وأظهرُها: «وَأَنْتَ حِلٌّ يا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم -؛ أَيْ مُقِيمًا - بالبلد الحَرَامِ» . فَتَضَمَّنَ القَسَمُ تَعْظِيمَ بَيْتِهِ ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.