فلمَّا ذَكَرَ عَظَمَةَ البلد، ذَكَرَ عَظَمَةَ مَنْ سَكَنَ البَلَدَ، فَأَقْسَمَ - سبحانه - بأفضل وأعظم مَنْ سَكَنَ البَلَدَ الحرامَ.
فكما أنَّ الحَرَمَ خِيرَةُ الله مِنْ خَلْقِهِ، فنبيُّنا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - خِيرَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ؛ فهو سيِّدُ ولد آدم.
وهذا القولُأَظْهَرُ وأقوى الأقوال الثَّلاثة.
وقيل: «أَيْ: أُحِلَّتْ مَكَّةُ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ساعةً من نهارٍ، وأنَّها لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلَه، ولن تحلَّ لأحدٍ بَعْدَهُ؛ أَنْ يَقْتُلَ وَيَأْسِرَ مَنْ يشاء» .
وقيل: «وأنت حَلالُ الدَّم يا مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - حينما أَهْدَرَتْ قُرَيْشُ دَمَهُ، وهمَّت بإخراجه» .والأوَّلُأَقْوَى.
قوله: {وَوَالِدٍوَمَاوَلَدَ} : ثلاثةُأَقْوَالٍ؛ عَامٌّ في جميع المخلوقات، وقيل: «آَدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ؛ لأنَّهُأصلُ السُّكَّان؛ فَمَرْجِعُ العباد إلى آدم» ، وقيل: «إبراهيمُوَذُرِّيَّتُهُ» . أظهرُها وأقواها القَوْلُ بالمؤمنين.
قيل: «أَقْسَمَ - سبحانه - بِسَاكِنِيهِ من المؤمنين آَدَمَ وذرِّيَّتَه» ، وقيل: «إبراهيمُ وَوَلَدُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ؛ لأنَّ الأَنْبِيَاءَ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّته» ، وَقِيلَ: «عَامٌّ في كلِّ والدٍ ومولودٍ من كلِّ المخلوقات» . ورجَّحه ابنُ جَرِيرٍ؛ فهو على عمومه.
والَّذي يظهر أنَّ اللهَ أقسم بساكني الحرم من المؤمنين.
النَّتيجةُ: أقسم بالبلد الحرام، وبأفضل وأعظم من سكن البلدَ الحرامَ، وبساكنيه من المؤمنين، وجاء جوابُ القسم فأقسم -سبحانه - بهذه الأشياء على أنَّه خَلَقَ الإنسانَ في كَبَدٍ.
قوله: {لَقَدْخَلَقْنَاالْإِنْسَانَفِيكَبَدٍ} : أظهرُ الأقوال في تفسير «كَبَدٍ» أنَّ عمومَ الإنسان مخلوقٌ في كَبَدٍ؛ سَوَاءٌ في خِلْقَتِهِ، أو معيشته فيما يعانيه من دنياه؛ لأنَّها - أَيِ الدُّنيا - طُبِعَتْ على كَدَرٍ وَنَكَدٍ.
فأمَّا كَبَدٌ في الخِلْقَةِ، فمنذ خُلِقَ الإنسانُ في بَطْنِ أُمِّهِ في ظلماتٍ ثلاثٍ، وَحَمْلِهِ، وَوَضْعِهِ، وَرَضَاعِهِ، وما يعانيه في كَسْبِ طعامه، وشرابه، ومرضه، ونشأته؛ لأنَّه يُكَابِدُ مَشَاقَّ الدُّنيا، وَيُكَابِدُ المَرَضَ، والجُوعَ، والفَقْرَ، ومصائبَ الدُّنيا.
فهو في تَعَبٍ، وَنَصَبٍ، وَشِدَّةٍ مُنْذُ خُلِقَ إلى أن يموت، وينقطع الكَبَدُ عن المؤمن عند الموت نوعًا ما؛ فيستريحَ من نَصَبِ الدُّنيا وأذاها.
وفي الحديث الآخر في رمضان: «وَتُزَيَّنُ لَهُمُ الجَنَّةُ، وَيَقُولُ اللهُ يُوشِكُ عِبَادِي أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ المُؤْنَةَ، وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ» رواه أحمد و المنذري و البزار و هو ضعيف.
لكن يبقى معه شَيْءٌ من الكَبَدِ، وينتهي نَصَبُ المؤمن عند دخول الجنَّة.
قيل للإمام أَحْمَدَ: متى الرَّاحَةُ؟ قال: «إذا وَضَعَتْكَ قَدَمُكَ في الجنَّة، فقد ارْتَحْتَ؛ لأنَّ العَيْشَ في الدُّنيا يقوم على الجهد والسَّعي، والعيشَ في الجنَّة يقوم على التَّكريم، ويبقى الكافرُ يكابد مصائبَ الدُّنيا وشدائدَ الآخرة؛ لأنَّه لا يخرج من الكبد؛ لا في الدُّنيا، ولا في الآخرة» .
وملخَّصُهُ خَلْقُ الإنسان في نَصَبٍ وَتَعَبٍ؛ فأمَّا الكافرُ نَصَبٌ في خِلْقَتِهِ، ومعيشته، ومآله، وأمَّا المؤمنُ نَصَبٌ في خلقته، ومعيشته، ومآلُه إلى الجنَّة، وفيها إعلانُ حقيقة أنَّ الإنسانَ يبقى يكابد حتَّى يقتحم العَقَبَةَ؛ إمَّا إلى جَنَّةٍ أو إلى نَارٍ.
قوله: {أَيَحْسَبُأَنْلَنْيَقْدِرَعَلَيْهِأَحَدٌ} :
أَنْكَرَ اللهُ على الإنسان ظنَّه أنَّ الله لايقدر عليه؛ فالَّذي خَلَقَهُأولى بالقدرة عليه منه.
أيظنُّ الإنسانُ الكافرُ الَّذي طغى، وتكبَّر، وتجبَّر، واغترَّ بقوَّته، فعاند الحقَّ، وكذَّب رسولَ الله، وأنفق أَمْوَالَهُ في حرب الإسلام، وظنَّأنَّه سيدفع عنه عذابَ الله، وأنَّه متروكٌإذا تمادى في غَيِّهِ، ونسي قدرةَ الله عليه.
لذلك إذا ذَهَبَ إيمانُ العبد أو ضَعُفَ؛ نَسِيَ رَبَّهُ، واعتمد على قوَّته، وَغَفَلَ عن قدرة الله عليه.
قوله: {يَقُولُأَهْلَكْتُمَالًالُبَدًا} :أنكر- سبحانه - على هذا الإنسان المفتخر بإهلاك ماله، وإنفاقه في الباطل، وفي شهواته، وأغراضه؛ فسمَّى الإنفاق في الباطل هلاكًا.