فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 581

وكان أَهْلُ مَدْيَنَ قَوْمًا عربًا يسكنون مَدْيَنَ، وَهِيَ أَرْضٌ تَقَعُ شَمَالَ غَرْبِ الجزيرة بالقُرْبِ من مدينة البدع التَّابعة لمنطقة تبوك، قَبِيلَةٍ من قبائل العرب القدماء أرسل الله إليهم نَبِيَّهُ شُعَيْبًا، وكانوا رُعَاةَ أَغْنَامٍ وتُجَّارًا.

وكان أَهْلُ مَدْيَنَ كفَّارًا يعبدون الأَيْكَةَ، وهي الشَّجرة من الأيك، وحولها غيضةٌ مجموعةٌ من الشَّجر، ويقطعون السَّبيلَ ويُخِيفُونَ المَارَّةَ.

وكانوا مِنْ أَسْوَأِ النَّاس معاملةً، ويبخسون النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ، ونهاهم عن قطع الطُّرُقِ الحسِّيَّةِ الدُّنيويَّة و المعنويَّة الدِّينيَّة؛ {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} .

أَمَرَهُمْ بالعَدْلِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الظُّلْمِ، وَتَوَعَّدَهُمْ على خِلافِ ذلك، فقال: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ} أَيْ: طَرِيقٍ، {تُوعِدُونَ} أي: تتوعَّدون النَّاس بأخذ أموالهم من مكوسٍ وغير ذلك، وتخيفون المارَّةَ.

{وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُون} إنَّهم كانوا يأخذون العُشُورَ من أموال المارَّة.

وعن ابن عبَّاس قال: «كانوا قومًا طُغَاةً بُغَاةً يَجْلِسُونَ على الطَّريق يَبْخَسُونَ النَّاس» . يَعْنِي يُعَشِّرُونَهُمْ. وكانوا أوَّلَ مَنْ سَنَّ ذلك.

{قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: بُرْهَانًا على صدق ما جئتُكم به، لكن لم يَذْكُرِ اللهُ المعجزاتِ الَّتي أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وذكَّرهم بِنِعَمِ الله عليهم، ومنها في تكثيرهم بعد القِلَّةِ.

وحذَّرهم من نِقْمَةِ الله بهم؛ {وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} .

كذَّبوه واتَّهموه بأنَّه مَسْحُورٌ، وأنَّه بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وهدَّدوه بالإخراج أو الرَّجْمِ، فَانْتَصَبَ شُعَيْبٌ لمحاجَّة قَوْمِهِ وقال: {عَلَى اللهِ تَوْكَّلْنَا} ؛ فهو كافِينَا.

وَاسْتَفْتَحَ على قَوْمِهِ، وَطَلَبَ من الله تَعْجِيلَ ما يستحقُّونه.

فلمَّا صمَّموا على ما هم عليه، جَمَعَ اللهُ عليهم عِدَّةَ عُقُوبَاتٍ، وَذَكَرَ خَبَرَهُمْ في ثَلاثِ سُوَرٍ، وَذَكَرَ في كلِّ سُورَةٍ مَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ الآيات.

ففي سُورَةِ الأَعْرَافِ لَمَّا أَرْجَفُوا بِنَبِيِّ الله وأَصْحَابِهِ وتوعَّدوهم بالإخراج حينما قالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ} قابل اللهُ الإرجافَ بالرَّجْفَةِ، فأخذتهم الرَّجْفَةُ.

وفي سورة هودٍ ذَكَرَ اللهُ أنَّهم أخذتهم الصَّيْحَةُ؛ لأنَّهم قالوا لنبيِّ الله شُعَيْبٍ على سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والتَّنَقُّصِ: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كالزَّجر عن تعاطي الكلام القبيح.

وفي سورة الشُّعَرَاءِ أخذهم عذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ؛ لأنَّهم طلبوا أن يُسْقِطَ عليهم كِسْفًا من السَّماء، فأصابهم حَرٌّ شَدِيدٌ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَأَسْكَنَ اللهُ هُبُوبَ الرِّياح، فكان لا ينفع مع ذلك ظِلٌّ ولا دخولُهم في الأسراب.

فخرجوا من محلَّتهم إلى البَرِّيَّة فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ، فاجتمعوا تَحْتَهَا؛ لِيَسْتَظِلُّوا بِظِلِّهَا، فلمَّا تكاملوا تحتَها، أَمْطَرَتْهُمْ بِشَرَرٍ وَشُهُبِ نَارٍ، وَجَفَّتْ بِهِمُ الأرضُ، وجاءتهم صَيْحَتُهُمْ مِنَ السَّماء، فَزَهَقَتْ أَرْوَاحُهُمْ وهم كافرون، وأصبحوا خبرًا بعد أن كانوا أَثَرًا، وَأَهْلَكَ اللهُ الكَافِرِينَ، وأَنْجَى اللهُ نَبِيَّهُ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنين.

ثمَّ ذَكَرَ اللهُ أَنَّ نَبِيَّهُمْ نَعَاهُمْ إِلَى أنفسهم موبِّخًا ومؤنِّبًا ومقرعًا لهم؛ «لَقَدْ نَصَحْتُ لكم وحرصتُ على هدايتِكم بِكُلِّ مَا أَقْدِرُ، فلم يَنْفَعْكُمْ ذَلِكَ، فَلَسْتُ أَتَأَسَّفُ بعد هذا عليكم؛ لأنَّكم لا تقبلون النَّصيحة ولا تخافون الفضيحة» .

فتولَّى عنهم وقال: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت