سورة الذَّارياتسُميت بذلك لأنه ورد فيها ذكر الذاريات وهي الرياح، وهذه السورة العظيمة الجليلة تتحدَّث عن خمسة أمورٍ:
-أوَّلًا: افتتح اللهُ السُّورةَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ فأقسم سبحانه بأربع مخلوقات عظيمة على أنَّالبعثَ كائنٌ وواقعٌ لا مَحَالَةَ.
-ثانيًا: بيَّنت السُّورةُ ما أعدَّه اللهُ لِعِبَادِهِ المتَّقين.
-ثالثًا: سَاقَ طرفًا من قصَّة إبراهيم ولوطٍ وهودٍ وصالحٍ وموسى ونوحٍ على بيان حُسْنِ عاقبة الأخيار، وسوء عَاقِبَةِ الأَشْرَارِ.
-رابعًا: استدلَّ بالآيات الكونيَّة الدَّالَّة على قُدْرَتِهِ؛ لبيان وجوب إخلاص العبادة لله.
افتتح اللهُ هذه السُّورةَ حيثُ أَقْسَمَ بأربع مخلوقاتٍ عظيمةٍ، ولا يقسم اللهُ إلاَّ على أَمْرٍ عظيمٍ.
وهذه المخلوقاتُ دالَّةٌ على ربوبيَّته ووحدانيَّته وقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ.
قوله: {وَالذَّارِيَاتِذَرْوًا} : أَقْسَمَ اللهُ بالذَّاريات وهي الرِّياحُ الَّتي تُثِيرُ التُّرَابَ، وسمِّيت بالذَّاريات؛ لأنَّها تَذْرُو التُّرَابَ، فتفرِّقه وَتَنْشُرُهُ.
ففي الرِّيح مِنَ العِبَرِ في هبوبها وسكونها وَلِينِهَا وشدَّتها واختلاف مهابِّها وتنوُّعِ منافعِها؛ فعلى سبيل المثال فللمطر خمسُ رِيَاحٍ؛ رِيحٌ تَنْشُرُ، ورِيحٌ تؤلِّفُ، وريحٌ تُلَقِّحُ، وريحٌ تَسُوقُهُ، وتحملُ، وكلُّها تدلُّ على مُصَرِّفِهَا وخالقِها؛ فهو يصرِّفها كيف يشاء.
والرِّيحُ تَارَةً عَذَابٌ، وَتَارَةً رَحْمَةٌ، وَتَارَةً رَخَاءٌ، وَتَارَةً عَاصِفَةٌ، وَتَارَةً تُحْيي الزَّرْعَ، وَتَارَةً تَعْصِفُ به، وَتَارَةً ينجي بها السُّفُنَ، وَتَارَةً يُهْلِكُهَا.
وفي الحديث: «الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللهِ؛ فَلَا تَسُبُّوهَا. تأتي بالرَّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبُّوها، واسألوا اللهَ خَيْرَهَا، واستعيذوا بالله من شَرِّهَا؛ فقد عُذِّبَ قَوْمٌ بالرِّيحِ."رواه أحمد و أبوداوود و النسائي و ابن ماجه و ابن حبان و صححه أحمد شاكر و الألباني."
قوله: {فَالْحَامِلَاتِوِقْرًا} : هي السَّحابُ؛ فَأَقْسَمَ-سبحانه- بالسَّحاب، وهي من أعظم آيات الله في الجوِّ، وهي في غاية الخِفَّةِ، ثمَّ تحمل الماءَ والبردَ، فيصير السَّحابُثقالا، فسمِّيت بالحاملات؛ لأنَّها تحمل الماءَ وَتَسِيرُ به إلى حيث أَمَرَهَا اللهُ.
فهذا السَّحابُ مسخَّرٌ بين السَّماء والأرض يحمل أَرْزَاقَ العباد والحيوان، فإذا فرغ، تلاشى بقدرة الله، وَيَسُوقُه اللهُ إلى بَلَدٍ شَدِيدِ الحاجة إليه.
عند التِّرمذيِّ أنَّالنَّبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا رأى السَّحابَ قال: «هَذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ، يَسُوقُهَا اللهُ إِلَى قَوْمٍ لَا يَذْكُرُونَهُ، وَلَا يَعْبُدُونَهُ» .
قوله: {وِقْرًا} أي: ثَقِيلًا؛ لِغَزَارَةِ المَيَاهِ الَّتي تحملها. هذا السَّحابُ رَفَعَهُ اللهُ على مَتْنِ الرِّياح.
هذه الآياتُ لا يُدرى ما فيها. قالت عائشةُ رضي الله تعالى عنها: «كان النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ في وَجْهِهِ» .
قالت: يا رسول الله! إنَّالنَّاسَ إِذَا رَأَوُا الغَيْمَ فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أَنيَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وأراك إذا رَأَيْتَهُ عُرِفَ في وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ.
قال: «يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ، فَقَالُوا: {هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا} » . رَوَاهُ البخاريُّ.
قوله: {فَالْجَارِيَاتِيُسْرًا} : قيل: إنَّالجَارِيَاتِ هي السُّفُنُ في البِحَارِ.